تقرير – شهاب
في تطور لافت يعكس تصاعد حدة التوتر في المنطقة، أعلنت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) تنفيذ أول عملية عسكرية باستخدام صواريخ باليستية باتجاه أهداف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة وُصفت بأنها تحول نوعي في مسار المواجهة الإقليمية، وسط تحذيرات من تداعيات عسكرية واقتصادية واسعة.
وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، إن "القوات المسلحة اليمنية نفذت أول عملية بدفعة من الصواريخ الباليستية جنوبي الأراضي الفلسطينية المحتلة"، مضيفاً أن الهجوم استهدف "أهدافاً عسكرية حساسة للعدو الإسرائيلي"، بالتزامن مع عمليات لإيران وحزب الله في لبنان.
وأكد سريع أن هذه العمليات ستستمر "حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة في إيران ولبنان والعراق وفلسطين"، في حين نقل موقع "والا" العبري عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين قولهم إن الحوثيين "دخلوا رسمياً على خط المواجهة العسكرية الراهنة".
تحول نوعي في مسار الحرب
المحلل السياسي فراس ياغي رأى أن دخول اليمن إلى ساحة المواجهة يمثل تحولاً نوعياً في مسار الصراع، محذراً من أبعاد عسكرية واقتصادية وجيوسياسية معقدة قد تدفع نحو تصعيد أوسع إذا لم تُحتوَ التوترات.
وأوضح ياغي في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن انخراط جماعة أنصار الله في المواجهة يوجّه رسالة واضحة من محور المقاومة باستعداده لتوسيع نطاق المعركة، معتبراً أن هذه الخطوة تتضمن تحذيراً مباشراً لدول إقليمية قد تفكر في الانخراط إلى جانب الولايات المتحدة في أي تدخل بري محتمل.
وأضاف أن هذا التطور يعكس أيضاً توجهاً نحو توزيع جغرافي لجبهات القتال، بحيث تتوزع الضغوط على "إسرائيل" من عدة محاور، تشمل الجنوب عبر اليمن، والشمال عبر لبنان، فيما تشكل إيران مركز الثقل، الأمر الذي يزيد العبء على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية ويدفعها إلى ما وصفه بـ"الاختيار الانتقائي" في حماية الأهداف الحيوية.
وأشار ياغي إلى أن إدخال مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز في معادلة الصراع من شأنه أن يفاقم الضغوط الاقتصادية على المستوى الدولي، خاصة في ظل اعتماد العديد من الدول على مسارات الطاقة والتجارة عبر البحر الأحمر، ما قد يفرض حسابات جديدة على الأسواق العالمية.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن استهداف خطوط الإمداد والناقلات المتجهة إلى إسرائيل قد يؤدي إلى خنق اقتصادي متزايد، خصوصاً مع تعطل البدائل البرية التي كانت تُستخدم لتعويض مسارات النقل البحري، في ظل اتساع رقعة المواجهة.
وتابع: "دخول اليمن يؤكد أن المنطقة باتت أمام معركة مفتوحة قد تطول"، مرجحاً أن تتخذ طابع "حرب استنزاف" ممتدة، ترتبط بنتائجها تغييرات جيوسياسية محتملة في موازين القوى الإقليمية.
توسيع رقعة المواجهة
وفي السياق، أيد الكاتب والباحث السياسي من العاصمة اليمنية صنعاء فهمي اليوسفي، ما قاله سابقه، موضحًا أنّ إطلاق صاروخ من اليمن باتجاه الكيان الإسرائيلي يُمثّل تطورًا لافتًا.
وأشار اليوسفي إلى أنّ هذا التطور يعتمد على تأثيره على الداخل اليمني أو على مسار المُواجهة الإقليمية، موضحًا أنّ الحرب ستأخذ طابعًا أوسع ضمن صراع بين محورين، مع توقّع اتساعها لتشمل ثلاث جبهات رئيسية هي إيران واليمن ولبنان.
وأوضح أنّ اليمن أعلن موقفه بشكل واضح بدعم إيران ومساندة ما وصفها بـ"قضايا المظلومين" في المنطقة، مؤكدًا أنّ صنعاء تُعدّ جزءًا من محور المقاومة، وسبق أن حذّرت في بيان سابق من أنّها ستتدخل في حال انخراط أي دول، إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأضاف أنّ اليمن ينظر إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل" باعتبارهما "العدو الرئيسي" في المنطقة، وهو ما يفسّر توحّد مواقف قوى محور المقاومة، لافتًا إلى أنّ هذا الموقف يأتي امتدادًا لدعم صنعاء السابق لقطاع غزة في مواجهة "إسرائيل".
وتابع أنّ لدى اليمن قدرات عسكرية تُمكّنه من استهداف العمق الإسرائيلي، ومصالح الدول التي قد تُشارك في العمليات العسكرية ضد إيران، خاصة تلك التي تنطلق منها هجمات جوية.
وبيّن اليوسفي أن تدخّل اليمن في هذا التوقيت يرتبط بتصاعد وتيرة المواجهة، معتبرًا أنّ دعم إيران يُعد أيضًا "ردًا للجميل" نظير مواقفها السابقة تجاه اليمن خلال سنوات الحرب.
وأكد أنّ أي تنسيق بين صنعاء وطهران، في حال وجوده، يندرج ضمن إطار العلاقات القائمة بين أطراف محور المقاومة، مشيرًا إلى أنّ الموقف اليمني لا ينفصل أيضًا عن حسابات تتعلّق بالردّ على الاعتداءات الأميركية والإسرائيلية، سواء في البحر الأحمر أو داخل اليمن.
وختم بالقول إنّ توحيد مواقف قوى "محور المقاومة" من شأنه تعزيز فرص تحقيق أهدافها المشتركة في مواجهة المشاريع المطروحة في المنطقة.
لماذا الآن؟
ومن جانبه، سلط الكاتب والمحلل السياسي عماد عنان الضوء على دلالات توقيت دخول جماعة "أنصار الله" على خط المواجهة، متناولًا الأسباب الكامنة وراء هذا القرار وأهدافه المحتملة، إلى جانب طبيعة الانخراط في المرحلة الحالية.
ويطرح الكاتب عدة تساؤلات حول دوافع هذا التحرك في هذا التوقيت تحديدًا، مشيرًا إلى أن الإجابة يمكن فهمها عبر محورين رئيسيين، أولهما تصاعد الاستعدادات الأمريكية لشن عملية برية ضد إيران.
فبحسب تقارير إعلامية، لم تعد التحركات تقتصر على الضربات الجوية أو الضغوط السياسية، بل امتدت إلى سيناريوهات أكثر خطورة، تشمل السيطرة على جزيرة خارك، أو فرض السيطرة على مضيق هرمز، أو الاستيلاء على مخزونات من اليورانيوم المخصب.
وترافقت هذه التقديرات مع حديث عن حشد عسكري أمريكي واسع، تضمن نشر حاملات طائرات متطورة، بعضها يعمل بالطاقة النووية، إلى جانب آلاف من قوات المارينز والعمليات الخاصة، ما يعكس توجهاً نحو تصعيد أكبر في مسار المواجهة.
أما المحور الثاني، فيرتبط بتزايد احتمالات انخراط أطراف عربية في الحرب، سواء عبر الدعم السياسي أو المشاركة الميدانية، حيث أشارت تقارير إلى توجهات لدى بعض الدول الخليجية لدعم توجيه ضربات حاسمة ضد إيران، مع استعداد محتمل للمشاركة في عمليات برية.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عماد عنان أن هذه المؤشرات دفعت الحوثيين إلى التحرك المبكر لمنع تشكل تحالف أوسع قد يغير موازين القوى.
ما الأهداف؟
وفي ما يتعلق بالأهداف، أوضح الكاتب أن الجماعة تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، أولها عسكري يتمثل في تخفيف الضغط عن إيران وحزب الله عبر فتح جبهة إضافية تُربك الخصوم وتشتت مواردهم.
أما الهدف الثاني فهو سياسي، ويتعلق بممارسة الضغط على الولايات المتحدة في مسار التفاوض، خاصة في ظل وجود قنوات تفاوض غير مباشرة بين واشنطن وطهران، ما يمنح التحرك الحوثي بعداً تفاوضياً يتجاوز تأثيره الميداني.
ويتمثل الهدف الثالث في رفع كلفة الحرب وتوسيع نطاقها، عبر إدخال عوامل ضغط جديدة تمس الاقتصاد العالمي ومسارات الطاقة والتجارة، بما يزيد من تعقيد المشهد ويضاعف الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي سياق طبيعة الانخراط، أشار المحلل السياسي إلى أن دخول الحوثيين لا يبدو منفصلاً عن تنسيق أوسع مع جبهات أخرى في العراق ولبنان، ضمن إطار تفاهمات غير مباشرة مع إيران، مرجحاً أن يكون هذا الانخراط تدريجياً ومحسوباً، وليس تصعيداً شاملاً منذ البداية.
وأكد أن الجماعة تتبع نهج التصعيد التدريجي، مع الحرص على تجنب انفجار شامل، بهدف اختبار ردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية، وإيصال رسائل ردعية تتجاوز أثرها العسكري المباشر.
كما يبرز الكاتب الأهمية الجيوستراتيجية لموقع الحوثيين، خاصة سيطرتهم على مضيق باب المندب، الذي يُعد من أهم ممرات التجارة العالمية، ما يمنحهم ورقة ضغط مؤثرة في سياق الصراع.
وخلص إلى أن هذه الخطوة، رغم طابعها الرمزي حتى الآن، تحمل دلالتين متوازيتين؛ فهي من جهة تمثل أداة ضغط لدفع الأطراف نحو التهدئة والتفاوض، ومن جهة أخرى قد تشير إلى احتمال الانزلاق نحو حرب استنزاف مفتوحة تتوسع تدريجياً، مع ارتفاع كلفتها الإقليمية والدولية.