تقرير / شهاب
يدخل المسجد الأقصى في القدس المحتلة شهره الأول مغلقًا أمام المصلين، في واحدة من أطول فترات الإغلاق التي يشهدها المسجد على مر السنوات. وتواصل سلطات الاحتلال فرض قيود صارمة على دخول المصلين إلى باحاته، مستغلة غياب الردع الدولي، في خطوة تُعتبر جزءًا من سياسة تدريجية لتغيير الواقع التاريخي والقانوني للمسجد.
لليوم الثلاثين على التوالي، تواصل سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" إغلاق المسجد الأقصى بشكل كامل أمام المصلين، في خطوة غير مسبوقة منذ سنوات، وسط انتشار مكثف لقواتها في محيط البلدة القديمة بالقدس، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد أو أداء الصلاة في المناطق المحيطة به.
ويعود بدء هذا الإغلاق إلى 28 شباط/فبراير الماضي، بالتزامن مع انطلاق العدوان "الإسرائيلي"-الأميركي على إيران، حيث يستخدم الاحتلال القرار ذريعة لفرض حالة طوارئ وتطبيق تعليمات الجبهة الداخلية التي تمنع التجمعات.
حواجز مشددة
ومنذ ذلك الحين، تقتصر إقامة الصلوات داخل المسجد الأقصى على عدد محدود من حراس المسجد وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، بينما يُمنع عامة المصلين من الدخول نهائيًا، بما في ذلك خلال صلاة الجمعة وشهر رمضان المبارك.
تنتشر شرطة الاحتلال "الإسرائيلية" عند مداخل البلدة القديمة، وتُقيم حواجز مشددة، كما تمنع الفلسطينيين من أداء الصلاة في الشوارع القريبة من أسوار المدينة، ومنها شارع صلاح الدين.
وفي خطوة مشابهة، تُغلق سلطات الاحتلال كنيسة القيامة، أحد أبرز المواقع الدينية المسيحية في العالم، موسعة بذلك دائرة القيود المفروضة على أماكن العبادة في القدس.
وفي ظل استمرار الإغلاق، تدعو جهات محلية في المدينة المصلين إلى أداء الصلاة في أقرب نقطة ممكنة من المسجد الأقصى، تعبيرًا عن رفض الإجراءات المفروضة، في وقت تُقرر فيه حكومة الاحتلال "الإسرائيلية" تمديد حالة الطوارئ حتى منتصف نيسان/أبريل المقبل، دون توضيح ما إذا كان ذلك يشمل استمرار إغلاق المسجد طوال هذه الفترة.
وفي السياق، يكشف المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة الروم الأرثوذكس في القدس، عن تداعيات الحرب على الاستعدادات لعيد القيامة الذي يصادف الخامس من أبريل، مؤكدًا استمرار إغلاق كنيسة القيامة، واحتمالية إقامة الصلوات بأعداد محدودة حال استمرار الأوضاع الحالية.
ويقول المطران: "كنيسة القيامة في القدس مغلقة بسبب الحرب"، مشيرًا إلى أن هذا الوضع الاستثنائي يؤثر على مشاركة المصلين في واحدة من أهم المناسبات المسيحية في العالم.
ويحذر المطران من تأثير استمرار الحرب على الاحتفالات، داعيًا إلى رفع القيود المفروضة وإزالة الحواجز العسكرية، ويضيف: "نحن نتمنى أيضًا أن تزول الحواجز، لكي يتمكن الفلسطينيون جميعًا من الوصول إلى القدس ومقدساته".
من جانبه يشير الباحث في شؤون القدس، فخري أبو دياب، في حديثه لـ"شهاب"، إلى أن ما يحدث داخل الأقصى منذ بدء الإغلاق الكامل قبل 30 يومًا ليس مجرد إجراء أمني مؤقت، بل جزء من مخطط متكامل يهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد.
ويضيف: "الاحتلال يسعى بشكل واضح إلى ترسيخ التقسيم الزماني والمكاني داخل المسجد، وتحويله تدريجيًا إلى واقع جديد يفرض سيطرته على كل شبر من الباحات".
فرض واقع جديد
ويصف أبو دياب إجراءات الاحتلال بأنها تمثل تصعيدًا غير مسبوق، حيث يقتصر دخول المصلين على عدد محدود من موظفي دائرة الأوقاف وحراس المسجد، بينما تُمنع غالبية الفلسطينيين من الوصول إلى باحات الأقصى، حتى خلال الصلوات الأسبوعية مثل الجمعة، أو المناسبات الدينية الكبرى.
ويشير الباحث إلى أن جماعات "الهيكل" المتطرفة تتحرك بثقة متزايدة داخل باحات المسجد، معتبرة كل اقتحام خطوة إضافية نحو فرض واقع ديني جديد.
ويقول أبو دياب: "هذه الجماعات تستغل الانقسام العربي وغياب موقف دولي حقيقي لتثبيت وجودها، وكل يوم يمر يزيد من ترسيخ سيطرة الاحتلال على الأقصى بصورة تدريجية".
ويؤكد أن الإغلاق المستمر للقدس والمسجد الأقصى يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة، حيث أصبح الاعتماد على المقدسيين وحدهم لحماية المسجد غير واقعي، بسبب الضغط المستمر والإبعاد والاعتقالات، في حين لم يظهر حتى الآن أي دعم سياسي أو دولي ملموس يردع الاحتلال عن خطواته.
وينوه: "المقدسيون وحدهم لا يستطيعون مواجهة هذه السياسات، والغياب المستمر للضغط الدولي يعطي الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدمًا في مخططاته دون أي حساب للعواقب".
يرى الخبير في شؤون الاستيطان، خليل التفكجي، أن ما يجري في المسجد الأقصى مرتبط بالمشروع "الإسرائيلي" الأوسع في مدينة القدس، القائم على ما وصفه بـ"التراكم البطيء" للسيطرة على المدينة ومقدساتها.
يوضح التفكجي أن الاحتلال لا يعتمد خطوات صادمة مفاجئة، بل يسلك سياسة تدريجية، تشمل توسيع الاستيطان وفرض قيود متزايدة على الفلسطينيين، بما يؤدي في النهاية إلى تقليص وجودهم وتعزيز الهيمنة "الإسرائيلية" على المدينة ومقدساتها بشكل دائم.
ويضيف: "كل خطوة 'إسرائيلية' تُتخذ بحذر وبتدرج، سواء على مستوى الاستيطان أو السيطرة على الحركة داخل القدس، وهو ما يجعل الفلسطينيين أمام واقع متغير يوميًا دون القدرة على مواجهته بشكل مباشر".
ويشير التفكجي إلى أن تصاعد خطاب الجماعات المتطرفة الداعية لإقامة "الهيكل" داخل المسجد الأقصى لا يزال مرتبطًا باعتبارات دينية داخل المؤسسة الحاخامية، خاصة فيما يتعلق بعلامات البقرة الحمراء، موضحًا أن هناك خلافات حول التوقيت والشروط الدقيقة لهذه الخطوة.
لكنه يؤكد أن هذه الخلافات الدينية لا تنفي أن الإجراءات الحالية تمثل تمهيدًا طويل الأمد لتهيئة الظروف لمثل هذه السيناريوهات، معتبرًا أن سياسة الاحتلال المتدرجة هي جزء من خطة أوسع لتغيير الواقع داخل الأقصى وتعزيز السيطرة "الإسرائيلية" على القدس بشكل عام.