"الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ" (سورة الحج: 40)
كل يوم هو يوم الأرض… والأرض المقدسة فلسطين.
في ذكرى يوم الأرض، حين تتقاطع آلام الماضي مع جراح الحاضر، يظل الشعب الفلسطيني صامداً كالصخر في وجه عواصف المحرقة التي تجتاح غزة. دماء الأطفال والنساء تنزف على تراب الأرض المقدسة، لكن قلوب الأبطال لا تنكسر، وأرواحهم تحلق فوق الركام معلنة أن الأرض لنا، إن الإبادة ليست نهاية، بل بداية ثورة لا تعرف الهزيمة. في كل شهيدٍ تُزرع بذرة أمل، وفي كل دمعةٍ تتوهج شعلة الحرية. غزة اليوم ليست فقط ساحة معركة، بل مدرسة صمود تُعلّم العالم أن الحق لا يموت، وأن الشعب الذي يُرفض أن يُمحى سيظل يكتب بدمائه أجمل فصول المقاومة والكرامة: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139)
منذ أن بدأ الاحتلال يغرس أنيابه في أرض فلسطين، ظلّت الأرض جوهر الصراع وعنوان الهوية، وميدان المواجهة الكبرى بين الحق والباطل. في الثلاثين من آذار عام 1976، ارتقى الشهداء في مواجهة سياسات المصادرة والاقتلاع، ليُكتب يوم الأرض بدمائهم الطاهرة كملحمة تاريخية مفصلية، جسدت وحدة الجماهير في مواجهة الاحتلال، وأكدت أن الأرض ليست مجرد تراب، بل هي الحياة والوجود والكرامة: "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ" (القصص: 5)
غزة، تلك الملحمة الأسطورية، التي واجهت الحصار والعدوان، بقيت عنوانًا للصمود والتحدي، فيما القدس، رغم إغلاق الأقصى ومحاولات تهويدها، ظلت شامخة، تؤكد أن روح المقاومة لا تنكسر. وفي ذكرى انطلاق مسيرات العودة الكبرى، يتجدد العهد على التمسك بالحقوق والثوابت، وعلى أن العودة إلى القرى والمدن التي هُجّر منها شعب فلسطين ليست حلمًا، بل حقًا مقدسًا لا يسقط بالتقادم : "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة: 38)
نحن الذين أُخرجنا من ديارنا، وعشنا الظلم والاحتلال والقهر والعدوان والقتل والاعتقال والجراح والإبعاد، ويريد العالم منا أن نستسلم، أن نرفع الراية البيضاء، أن نصبح عبيدًا في سوق النخاسة. لكن ربنا يحرم علينا هذا الاستسلام الذليل، وينادينا: "فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" (آل عمران: 195)
لقد جاء الإذن واضحًا: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (الحج: 39)
وهو وعد صريح بالنصر: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ" (الحج: 40)
إن محرقة غزة اليوم ليست إلا نكبة أرض جديدة، لكن الفارق أننا نقاتل بأنفسنا، نحيي قضية شعبنا، قضية اللاجئين، قضية القدس، وكل قضايانا. لدينا الحق المطلق، مهما أصابنا من بأساء وضراء، ألا نيأس، وألا نستسلم، وأن نصبر ونحتسب، وأن نستمر في المقاومة، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا: "لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ" (الأنفال: 44)
وفي مواجهة العدوان المتواصل على الأمة، ومحاولات اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، يظل يوم الأرض شاهدًا على أن الحق لا يموت، وأن إرادة الشعوب الحرة لا تُكسر. إن الأرض هي الملحمة، وهي القضية، وهي الوعد الذي لا يتبدد مهما طال زمن الاحتلال "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ" (القصص: 85)