قائمة الموقع

تقرير في ذكرى يوم الأرض... غزة تُعيد تعريف الأرض من الخيام إلى الركام "لن نرحل"

2026-03-30T14:03:00+03:00
في ذكرى يوم الأرض... غزة تُعيد تعريف الأرض من الخيام إلى الركام "لن نرحل"
شهاب

خاص_ شهاب

في الذكرى الخمسين لـ يوم الأرض، لا يبدو الحديث عن الأرض في قطاع غزة استعادة لحدث تاريخي بقدر ما هو توصيف لواقع يومي يُعاش بكل تفاصيله، فالأرض التي خرج الفلسطينيون دفاعًا عنها قبل خمسة عقود، تتحول اليوم إلى عنوان لمعركة وجودية مفتوحة، في ظل حرب مدمرة ومحاولات مستمرة لدفع السكان نحو التهجير.

ورغم الدمار الواسع والنزوح القسري، يتجدد المشهد ذاته في أنحاء القطاع، تمسك عميق بالأرض، وإصرار على البقاء، حتى لو كان ذلك فوق الركام أو داخل خيمة.

في مخيم الشاطئ غرب غزة، تجلس الحاجة نعمة النحال أمام خيمتها التي أصبحت بيتها بعد أن فقدت منزلها، تنظر إلى المكان وكأنها تقرأ تاريخًا طويلاً من الصمود، قبل أن تقول لـ"شهاب" بهدوء يحمل الكثير من المعاني: "هذه الأرض ليست مكانًا نعيش فيه، هذه حياتنا كلها، هين ولدنا وهنا سنبقى، مهما صار".

تتوقف قليلًا، ثم تضيف: "مرّت علينا حروب كثيرة، لكن لم نفكر يومًا أن نغادر أرضنا، حتى لو صارت حياتنا خيمة، تبقى الأرض لنا".

هذا الارتباط لا يتوقف عند حدود النزوح، إنما يظهر بشكل أكثر وضوحًا في مناطق الشمال، حيث عاد بعض السكان إلى منازلهم المدمرة، أو ما تبقى منها، رافضين البقاء بعيدًا عنها.

في مخيم جباليا المدمر، يقف أبو إبراهيم أبو سلامة وسط أنقاض منزله، وقد قرر أن يعود إلى المكان رغم استحالة العيش فيه كما كان سابقًا يقول لـ"شهاب": "رجعنا على الركام لأن هذا مكاننا، يمكن البيت راح، لكن الأرض موجودة، وهذه الأرض لا تُترك".

ويتابع بنبرة شديدة: "هم يريدوننا أن نرحل، لكننا نعود في كل مرة، هذه ليست مسألة سكن، مسألة وجود".

ويشير في حديثه إلى أن الأمور صعبة جدًا والظروف المعيشية ليست كما كانت في السابق لكن لا يمكن أن يعيش الإنسان بعيد عن أرضه ومسقط رأسه.

بين هذه المشاهد، يظهر جيل جديد لم يعرف الاستقرار، لكنه يحمل ذات العلاقة بالأرض، الطفل محمد الناعوق، الذي يقف بين بقايا أحد المباني المدمرة، يقول ببساطة تختصر الكثير: "أنا بحب غزة، حتى لو فيها دمار، هذه مدينتي، ولن أتركها".

ويوضح الناعوق خلال حديثه لـ"شهاب"، "احنا ما طلعنا في عز القصف والحرب والإبادة من غزة، وما راح نطلع منها، غزة أجمل مكان في العالم رغم كل شيء". 

في كلماته القليلة، تتجسد حكاية جيل كامل نشأ وسط الحرب، لكنه ما زال يرى في هذه الأرض وطنًا لا يمكن استبداله.

لم تعد ذكرى يوم الأرض في غزة مجرد مناسبة وطنية تُستعاد سنويًا، إنما تحولت إلى امتداد مباشر لمعركة يعيشها الفلسطينيون يوميًا، فالدفاع عن الأرض يتكرر في كل لحظة، من العودة إلى الركام، إلى البقاء في الخيام، إلى رفض الرحيل رغم كل الظروف.

وتشير تقديرات United Nations إلى أن القطاع يشهد واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخه، لكن ما تكشفه الشهادات الميدانية هو أن هذا النزوح لا يعني القبول بالتهجير، إنما يظل حالة مؤقتة يقابلها إصرار واضح على العودة.

ويرى مراقبون أن هذا التمسك يعكس وعيًا عميقًا لدى الفلسطينيين بأن مغادرة الأرض لا تعني فقط فقدان البيت، إنما فقدان الهوية نفسها، وهو ما يجعل البقاء، حتى في أصعب الظروف، خيارًا لا بديل عنه.

في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، تبدو غزة وكأنها تعيد كتابة معنى هذه المناسبة، فالأرض هنا لم تعد مجرد مساحة جغرافية، إنما تحولت إلى رمز للصمود، ومعركة مستمرة على الوجود.

وبين الخيام والركام، وبين جيل عاش النكبات وآخر يولد تحت القصف، تتكرر الحكاية ذاتها بصيغة واحدة لا تتغيرر"هنا أرضنا وهنا سنبقى".

اخبار ذات صلة