د. أميرة فؤاد النحال
كاتبة في الشأن السياسي
أصبح القتل نصاً تشريعياً يُتلى في قاعة برلمانية، وتُرفع له الأيدي تحت قبة الكنيست، هنا لا نتحدث عن قانون بقدر ما نتحدث عن إضفاء صفة الشرعية على الجريمة، وعن انتقال الاحتلال من ممارسة القتل إلى تقنينه بوصفه سياسة دولة، إن مصادقة الكنيست على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يُمثل تحوّل نوعي في بنية العنف الصهيوني؛ من قمعٍ ميداني إلى منظومة إعدام مؤسسية مكتملة الأركان.
الأخطر أن هذا القانون لم يُفصَّل على نحو عام، حيث صيغ خصيصاً لاستهداف "أسرى النخبة"، أي أولئك الذين يمثلون رمزية المقاومة وصلابتها، وكأن الاحتلال يعيد تعريف المعركة: لم تعد مواجهة أجساد، بقدر ما هي كسر إرادات ومعاني، وحين يُحاصر الرمز، يُستهدف الوعي برمّته.
أما مشهد التصويت، حيث اصطفّت غالبية قادة الأحزاب مع القانون، فهو لا يكشف فقط عن إجماع صهيوني على الدم، هو يعرّي وهم التعددية داخل بنية استعمارية واحدة؛ فالفروق السياسية تتلاشى حين يتعلق الأمر بحياة الفلسطيني، لتبقى قاعدة واحدة وهي الإعدام خيار مشروع.
وفي مقابل هذا الانحدار الأخلاقي، يقف العالم صامتاً، متواطئاً بصمته، كأن دم الفلسطيني خارج حسابات القانون الدولي، صمتٌ لا يمكن تفسيره إلا بوصفه شراكة غير معلنة في الجريمة، حيث تتحول المواثيق إلى حبر بارد، وتُختزل العدالة في بيانات قلق لا توقف حبل المشنقة.
اليوم، نحن أمام لحظة فاصلة، إمّا أن يُترك الأسرى ليواجهوا مصيرهم على منصات الإعدام، أو أن تتحول قضيتهم إلى عنوان اشتباك شامل يعيد تعريف كرامة الأمة وحدود صبرها.
كيف تحوّل الإعدام إلى سياسة رسمية؟
الاحتلال لا يكتفي بإدارة آلة القتل في الظل، فقد قرر أن يخرج بها إلى العلن، كبنية تشريعية مكتملة، ما جرى في الكنيست هو ترقية للجريمة من مستوى الفعل إلى مستوى القانون؛ أي تحويل القتل من سلوك مدان إلى إجراء مشروع داخل منظومة الحكم، هنا تتبدّى أخطر تحوّلات المشروع الصهيوني، وهي الانتقال من العنف الميداني إلى "البيروقراطية الدموية"، حيث تُدار حياة الفلسطيني وموته عبر نصوص قانونية لا تقل فتكاً عن الرصاص.
إن شرعنة الإعدام ليست إلا محاولة لإعادة صياغة الجريمة بلغة قانونية مخادعة، حيث يصبح الجلاد قاضياً، وتُلبس المقصلة ثوب العدالة، هذه أدوات تبييض سياسي للقتل، تُستخدم لتخفيف الكلفة الأخلاقية دولياً، في هذا السياق يتحول القانون إلى واجهة تجميلية لجوهر استعماري متوحش، لا يعترف بالإنسان الفلسطيني إلا بوصفه هدفاً مشروعاً للإزالة.
والأخطر أن هذا التحول يأتي في سياق عالمي مأزوم، حيث تُمنح "إسرائيل" هامشاً واسعاً لإعادة تعريف العنف ضمن حدودها الخاصة، دون مساءلة حقيقية، وهنا يعود السؤال: كيف تقتل دون أن تُدان؟ والإجابة جاءت صريحة: عبر القانون.
استهداف "أسرى النخبة" كسر الرمز قبل الجسد
ليس صدفة أن يُفصَّل هذا القانون على مقاس "أسرى النخبة"، فهؤلاء يمثلون خزاناً رمزياً للمقاومة، وعنواناً للتماسك النفسي للشعب الفلسطيني، وإن استهدافهم بالإعدام هو محاولة لضرب المعنى قبل الجسد، واغتيال الفكرة قبل صاحبها، الاحتلال هنا يسعى إلى تفكيك سردية الصمود ذاتها.
في الوعي الصهيوني، يشكّل "أسير النخبة"تهديداً مضاعفاً، فهو شاهد حيّ على فشل الردع، ودليل على أن المقاومة ما زالت قادرة على إنتاج نماذجها الأكثر صلابة، لذلك فإن تصفيته قانونياً تمثل محاولة لإعادة ضبط معادلة القوة، عبر إرسال رسالة مركبة: "كل من يعلو رمزياً.. يُعدم رسمياً"، إنها سياسة "الإعدام الردعي الرمزي"، حيث يُراد من قتل الفرد أن يُحدث صدمة جماعية تتجاوز حدود السجن.
لكن هذه المقاربة تكشف في جوهرها عن أزمة عميقة داخل بنية الاحتلال؛ فبدل أن يواجه جذور المقاومة، يختار أن يطارد رموزها، ظناً منه أن كسر الرأس كفيل بإسكات الجسد، غير أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن الرموز تُستنسخ، وأن الإعدام يُخلّد الفكرة، ويحوّل صاحبها من أسير إلى أيقونة.
تصويت الكنيست.. سقوط قناع التعددية
مشهد التصويت داخل الكنيست كان اختباراً حقيقياً لحدود الديمقراطية الصهيونية، حين صوّتت غالبية قادة الأحزاب، من بنيامين نتنياهو إلى أفيغدور ليبرمان وأرييه درعي، لصالح القانون، لم يكونوا يختلفون في الجوهر، حيث كانوا يعيدون إنتاج القاعدة المؤسسة لهذا الكيان وهي الإجماع على الدم الفلسطيني.
أما معارضة يائير لابيد وبيني غانتس وبعض الأحزاب، فيمكن قراءتها ضمن حسابات سياسية وأمنية تتعلق بجدوى القرار لا بمبدئه، هنا تتجلى حقيقة "التعددية الوظيفية" داخل الكيان؛ تعددية لا تمسّ الثوابت، ولكن تدور حول أدوات التنفيذ وتوقيته، بمعنى آخر هم يختلفون على كيف يُدار القتل، لا على حق القتل ذاته.
هذا التصويت كشف بوضوح أن كل الخطوط الفاصلة بين اليمين والوسط واليسار الصهيوني تذوب أمام الفلسطيني، وأن "الديمقراطية الصهيونية" ليست سوى إطار إجرائي لتنظيم التوافق على العنف، فحين يتعلق الأمر بحياة الأسير، تسقط الأقنعة، ويظهر الكيان على حقيقته كمنظومة استعمارية موحّدة، متعددة الوجوه، واحدة الهدف.
وفي هذا السياق، يصبح الرهان على الانقسامات الداخلية وهماً سياسياً، لأن الدم الفلسطيني هو القاسم المشترك الأعلى الذي يعيد توحيدهم كلما تباعدوا.
القانون الدولي تحت المقصلة.. أين يقف العالم؟
في اللحظة التي صادق فيها الكنيست على قانون إعدام الأسرى، كان المستهدف منظومة القانون الدولي برمّتها، فهذا القانون في جوهره، يشكّل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف، وانقلاباً مباشراً على المبادئ التي تنظّم معاملة الأسرى تحت الاحتلال، غير أن الفضيحة الأكبر تكمن في عجزه عن حماية من يفترض أنه وُجد لأجلهم.
ما يحدث اليوم هو تفريغ ممنهج لفكرة "الشرعية الدولية" من مضمونها؛ إذ تتحول النصوص إلى أدوات انتقائية تُفعّل حين تخدم القوى الكبرى، وتُجمّد حين يكون الضحية فلسطينياً، وهنا يبدو الصمت الدولي تواطؤاً صامتاً، يمنح الاحتلال ضوءً أخضر للاستمرار، وللتصعيد.
العالم الذي عجز عن وقف الإبادة، لن يتردّد في ابتلاع قانون الإعدام ضمن روتين الإدانات الباردة، وبذلك يصبح السؤال: لمن يُطبَّق القانون الدولي أصلًا؟ وفي هذا السياق تتحول المقصلة من أداة قتل مادي إلى أداة اختبار أخلاقي عالمي، تسقط أمامها ادعاءات العدالة، وتنكشف هشاشة النظام الدولي حين يُختبر على الجسد الفلسطيني.
الأسرى كقضية وجود واختبار كرامة الأمة
قضية الأسرى هي مكثّف الوجع الفلسطيني وعنوان كرامته المؤجلة، وحين يُطرح قانون لإعدامهم، فإننا أمام استهداف مباشر للمعنى الجماعي للأمة، الأسرى في الوعي الفلسطيني هم حراس الرواية، وأيقونات الصمود، ومرآة الإرادة التي لم تُكسر.
التحذيرات التي تتحدث عن نحو 220 أسيراً مهددين بالإعدام، بينهم أكثر من 118 من أصحاب الأحكام المؤبدة، هم مؤشرات على مشروع تصفية تدريجية للرمز المقاوم، أما تخصيص "أسرى النخبة"، فيكشف أن الاحتلال يدرك جيداً أن المعركة على الذاكرة التي يحملها هؤلاء الأسرى.
هنا تتحول قضية الأسرى إلى مقياس حادّ لنبض الأمة، هل ما زالت قادرة على حماية رموزها؟ هل لا يزال الخط الأحمر قائماً، أم أنه تآكل تحت ضغط الوقائع؟ إن أي تراجع في مركزية هذه القضية يعني انزلاقاً خطيراً نحو تطبيع الألم، واعتياد الفقد، وقبول الإعدام كأمر واقع.
من الوعي إلى الاشتباك، كيف نواجه قانون الإعدام؟
في مواجهة هذا القانون، يجب أن يتحول الفعل إلى فعل اشتباكي متعدد المستويات، فالمعركة اليوم على الأرض وعلى الرواية، وعلى تعريف ما يجري هل هو إجراء قانوني كما يدّعي الاحتلال، أم جريمة إعدام سياسي مُقنّع؟
هنا يبرز دور الإعلام كأداة تفكيك للرواية الصهيونية، عبر كشف التناقض بين القانون والعدالة، وبين النص والواقع، المطلوب إعادة تأطير الحدث ضمن سياقه الحقيقي: جريمة استعمارية تُدار بأدوات قانونية.
لكن الوعي وحده لا يكفي، المطلوب هو تحويل قضية الأسرى إلى حالة اشتباك يومي، حيث تصبح حاضرة في الشارع، في الخطاب، في الفعل الشعبي والسياسي، فالقضية التي لا تُمارَس يومياً، تتحول تدريجياً إلى ذكرى، ثم إلى هامش، وهنا تكمن خطورة اللحظة.
على المستوى الدولي، لا بد من تفعيل المسارات القانونية، كجزء من معركة تراكمية لفضح الاحتلال وعزله، فحتى إن كانت المؤسسات الدولية عاجزة، فإن مراكمة الملفات القانونية تشكّل أرشيف إدانة مفتوح، يمكن توظيفه سياسياً وإعلامياً.
في المحصلة، المواجهة مع قانون الإعدام معركة تعريف وفرض معنى: إما أن يُفرض توصيفه كجريمة، أو يُترك ليترسخ كأمر واقع، وبين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، وحدود الكرامة الممكنة.
هنا عند حافة المقصلة، يتحول الصمت إلى شراكة في الجريمة، وهنا حيث يُكتب الموت بنص قانوني، يصبح الخلاف السياسي تواطؤاً على الدم.
إن قانون إعدام الأسرى هو إعلان صريح بأن الاحتلال انتقل إلى طور الإبادة المُقنّنة، حيث تُدار حياة الفلسطيني وموته بقرار سياسي ممهور بختم القانون، وحين يصل الاستعمار إلى هذه المرحلة، فإن كل ما دونه يصبح اختباراً حقيقياً للضمير، للإرادة، وللقدرة على الفعل.
الأسرى اليوم ليسوا وحدهم في الزنازين، نحن من نُختبر خارج تلك الزنازين، نُختبر في صمتنا، في لغتنا، في قدرتنا على تحويل الغضب إلى فعل، والقضية إلى اشتباك، والذاكرة إلى سلاح.
فإما أن يبقى الأسرى خطاً أحمر يُرسم بالدم ولا يُمحى، وإما أن تتحول المقصلة إلى مشهد عابر في نشرة أخبار، وفي هذه اللحظة، لا مكان للحياد، ولا معنى للانتظار، إما أن نكون على مستوى الجريمة، أو نكون شركاء في صمتها.