لم يعد الدفع الإلكتروني في غزة مجرد وسيلة حديثة لتسهيل الحياة، بل أصبح انعكاسا مباشرا لأزمة اقتصادية أعمق تتجاوز نقص السيولة النقدية إلى اختلال في بنية #السوق نفسها، فمع استمرار شح النقد الورقي وتلف جزء كبير منه، وأزمة الفكة، وجد المواطنون والتجار والسائقون أنفسهم أمام خيار شبه وحيد، وهو الاعتماد على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية في إدارة تفاصيل حياتهم اليومية.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التحول نحو الرقمنة بحد ذاته، بل في انتقال الناس إليه قسرا دون وجود بنية تقنية ومالية قادرة على تحمل هذا التحول. فعندما يصبح شراء الخبز أو دفع أجرة المواصلات أو تحويل مبلغ بسيط مرتبطا بسرعة الإنترنت وسقف التحويل اليومي وسلامة النظام الإلكتروني، فإننا لا نكون أمام "تطوير اقتصادي" بقدر ما نكون أمام "إدارة أزمة" بأدوات غير مكتملة.
ويكشف ما يحدث في غزة عن فجوة خطيرة بين الحاجة الفعلية للخدمة وقدرة النظام على الاستجابة، فالدفع الإلكتروني يمكن أن يكون أداة لتعزيز الشمول المالي وتنشيط السوق، لكنه في بيئة هشة قد يتحول إلى عبء إضافي يربك الأفراد ويعطل الأعمال اليومية ويضعف الثقة العامة.
الحل لا يكمن فقط في تشجيع استخدام المحافظ الإلكترونية، بل في تطوير بنية رقمية أكثر مرونة، تتمتع برفع سقوف التحويل وتحسين كفاءة الأنظمة وتوفير بدائل تعمل حتى في ظل ضعف الإنترنت، لأن الاقتصاد لا يقاس فقط بوجود الوسائل بل بقدرة الناس على استخدامها بثقة واستقرار.