قائمة الموقع

تقرير في اليوم العالمي للتوعية بالألغام.. آلاف الألغام والذخائر غير المنفجرة تحوّل غزة إلى حقل موت يومي

2026-04-04T16:59:00+03:00
وكالة شهاب

تقرير/ شهاب

في الوقت الذي يحيي فيه العالم في الرابع من أبريل/نيسان "اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام"، يبدو الواقع في قطاع غزة مختلفًا تمامًا، إذ لا تُعد هذه المناسبة مجرد تذكير أو حدث عابر، بل هي واقع يومي يعيشه السكان، حيث تنتشر الألغام والقنابل غير المنفجرة بشكل يهدد حياة المدنيين ويحول أبسط خطواتهم اليومية إلى مخاطرة مستمرة.

في غزة، تتحول الطرق والأراضي المفتوحة إلى حقول محتملة للموت، لتضاف مخاطرها إلى قائمة طويلة من التحديات اليومية التي تواجه سكان القطاع، خصوصًا الأطفال والنساء الذين يدفعون ثمن الحروب بشكل مباشر وغير مباشر.

20 ألف قطعة ذخيرة

وأظهر تقرير للأمم المتحدة صدر مطلع ديسمبر/كانون الأول أن نحو 400 شخص في قطاع غزة تأثروا بشكل مباشر بحوادث مرتبطة بالذخائر غير المنفجرة، وهو رقم يقارب نسب ما تشهده دول نزاع أخرى إذا قورن بعدد السكان.

وفي المقابل، تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى وجود أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة منتشرة في أنحاء القطاع الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، ما يجعل من كل خطوة في بعض المناطق مخاطرة محتملة.


 

وتكشف إحصاءات وزارة الصحة عن استشهاد 7 أشخاص بينهم 5 أطفال، وإصابة 49 آخرين نتيجة انفجار هذه الذخائر خلال الحرب الأخيرة، فيما تشير المعطيات أن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر، نظرًا لعدم تسجيل بعض الإصابات بدقة أو تلقي المصابين العلاج في مستشفيات ميدانية وخاصة خارج النظام الرسمي.

يصف محمد عماد، المتحدث باسم جهاز الاستجابة السريعة في قطاع غزة والمتخصص بمعالجة الذخائر، الوضع الحالي للمخلفات الحربية في القطاع بأنه "هائل وخطير"، مشيرًا إلى أن الإمكانيات المتاحة للتعامل معها "محدودة للغاية".

ويشير عماد إلى أن المخلفات الحربية تشكل خطرًا يوميًا على السكان، خصوصًا أن معظم مناطق القطاع تعرضت للقصف المباشر، وقد تكون الذخائر غير المنفجرة مختبئة تحت المنازل أو بين الركام دون أن يعلم بها السكان.

ويضيف: "في بعض الحالات، يضطر الناس للعيش في منازل تحتوي على ذخائر غير منفجرة وهم على علم بذلك، لكن لا توجد لديهم خيارات أخرى، ولا تتوفر الإمكانيات للتعامل مع هذه المخاطر".

ويؤكد أن فرق الحكومة المختصة بمواجهة الذخائر تعمل حاليًا بقدرات محدودة للغاية، بعد أن تضررت المعدات والمستودعات المخصصة للتعامل مع الذخائر بشكل كبير جراء الاستهداف الإسرائيلي. ويضيف: "تراجعت إمكانياتنا بشكل كبير، وما تبقى لا يتجاوز 10% مما كان متاحًا قبل الحرب".

ويكشف عماد أن الجهاز فقد خلال الحرب 90% من إمكاناته، واستشهد 17 فنيًا متخصصًا من أصل 65، ما زاد من صعوبة العمل، خصوصًا أن الفرق تعمل دون معدات حماية كافية، ما يجعل أي تدخل في مواقع تحتوي ذخائر غير منفجرة محفوفًا بالخطر.

ويختم بالقول إن الوضع الراهن يتطلب دعمًا عاجلًا لتجهيز الفرق بالمعدات اللازمة، وتحقيق قدر أكبر من الأمان للسكان الذين يعيشون مع هذا الخطر المستمر يوميًا.

صواريخ غير منفجرة 

من جانبه يقول محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني في غزة: "إن بعض المخلفات الحربية لا تبدو خطيرة للوهلة الأولى، بل تأخذ شكلًا مألوفًا للأطفال، مثل علب مشروبات غازية أو معلبات طعام، بحيث يراها الأطفال مغرية ويقتربون منها بدافع الفضول، وما إن يعبثون بها حتى تنفجر فجأة، فتؤدي إلى إصابات مروعة، أو أحيانًا وفاة أو بتر أطرافهم".


 

ويضيف بصل أن المخلفات غير المنفجرة منتشرة بكميات كبيرة في مختلف أنحاء قطاع غزة، وتشمل صواريخ وألغام وقطع أسلحة متنوعة، ما يجعل العمل الميداني محفوفًا بالمخاطر.

ويصف القطاع قائلاً: "قطاع غزة يشبه حقل ألغام، وأخطر ما يواجه فرق الدفاع المدني هو التعامل مع هذه الذخائر داخل المباني المستهدفة، خاصة أثناء عمليات انتشال الضحايا".

ويكشف بصل أن فرق الإنقاذ غالبًا لا تعرف مسبقًا طبيعة الذخائر داخل المباني، ما يزيد من مستوى الخطر بشكل كبير.

ويشرح: "قد يكون المنزل تعرض لأكثر من صاروخ ولم ينفجر جميعها، وخلال استخدام المعدات الثقيلة مثل الجرافات قد يحدث اصطدام مع أحد هذه الصواريخ، ما قد يؤدي إلى كارثة حقيقية وقتل الطواقم".

ويشير بصل إلى أن الفرق واجهت بالفعل صواريخ غير منفجرة أثناء العمل الميداني، لكن لحسن الحظ لم يحدث اصطدام يؤدي إلى انفجار، وإلا كانت النتائج كارثية.

ويضيف بصل أن بعض العبوات أسقطتها طائرات استطلاع على مناطق مأهولة، وللأسف عبث بها الأطفال، ما أدى إلى سقوط قتلى وإصابات بتر أطرافهم، وهو ما يعكس حجم الخطر اليومي الذي يعيشه سكان غزة، حيث لا تنتهي المخاطر بمجرد مغادرة المنزل، بل تمتد في كل زاوية وفي كل قطعة أرض أو ركام.

وينوه بصل  أن الوضع الراهن يتطلب دعمًا عاجلًا لتجهيز فرق الدفاع المدني بالمعدات اللازمة لحماية الطواقم والسكان، مشددًا على أن أي تأخير في التدخل يزيد من احتمالات وقوع الكوارث، ويجعل غزة كلها ساحة يومية من المخاطر غير المرئية.

جريمة حرب كاملة

من جانبه يقول الدكتور صلاح عبد العاطي، أستاذ القانون الدولي، إن "الوضع في غزة مأساوي جراء انتشار آلاف الذخائر غير المنفجرة في الشوارع والأراضي الزراعية وبين الركام، وأحيانًا داخل المنازل المدمرة نفسها التي اضطر السكان للعودة إليها بعد انتهاء الحرب".

منوّهًا أن "الأطفال هم الأكثر عرضة للخطر، فالذخائر تأخذ أشكالًا مألوفة مثل علب المشروبات الغازية أو المعلبات، فتغريهم بالاقتراب منها. ما أن يلمسوا هذه الأشياء حتى تنفجر تاركة آثارًا بالغة على الأطفال، علاوة على تعرض النساء والعمال، خاصة الذين يعملون في رفع الركام وفتح الطرق ومساعدة أهالي غزة على تسهيل حياتهم اليومية."

ويؤكد عبد العاطي: "إن القانون الدولي الإنساني يحمّل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن حماية المدنيين، إذ يجب على الاحتلال إزالة المخلفات الحربية، أو على الأقل تحذير السكان وإرشادهم لمكان وجودها."

ويتابع: "ترك هذه الذخائر دون معالجة يُعد إخلالًا صارخًا بالالتزامات القانونية، ويمكن أن يُصنف كجريمة حرب إذا أدت هذه المخلفات إلى إصابات أو وفيات بين المدنيين، وفي الواقع على الأرض يظهر بوضوح أن هذه الالتزامات لم تُنفذ، ما يجعل المسؤولية القانونية مباشرة وواضحة على الاحتلال، سيما أن عشرات الحوادث في قطاع غزة أكدت أن الاحتلال يترك هذه الذخائر بأشكال مألوفة بقصد تفجيرها في أي شخص يقوم بالاقتراب أو المساس بها."

ويكشف عبد العاطي عن التحديات التي تواجه الفرق الإنسانية قائلاً: "الجهود الدولية موجودة، بما في ذلك تدخلات الأمم المتحدة وخدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، لكنها تواجه قيودًا كبيرة بسبب صعوبة الوصول إلى أماكن هذه الذخائر بسبب أكوام الركام، ومنع إدخال المعدات اللازمة، وفرض قيود وإجراءات على المعابر تمنع دخول المعدات وقطع الغيار."

ويضيف عبد العاطي: "من جانب آخر، يوضح أن الاحتلال وحتى هذه اللحظة يقوم بمنع المؤسسات والفرق الدولية التي يمكنها أن تساعد في حل أزمات القطاع من الكشف عنها، منوّهًا أن الفرق المحلية تعمل بقدرات منخفضة للغاية وسط تهديدات أمنية متواصلة، حيث استهدف الاحتلال العديد من الفنيين المتخصصين، ما يجعل إزالة المخلفات مهمة محفوفة بالمخاطر بشكل استثنائي."


 

ويضيف: "القانون الدولي يلزم المجتمع الدولي بدعم المدنيين وضمان وصول فرق إزالة المخلفات إلى المناطق الملوثة، مع توفير التدريب والمعدات اللازمة لحماية الفرق نفسها. لكن الواقع يظهر أن المدنيين يواصلون العيش يوميًا وسط المخاطر نتيجة الإهمال المتعمد للاحتلال الإسرائيلي."

وينوه عبد العاطي إلى أن "القانون الدولي يحدد إطارًا واضحًا لمساءلة الاحتلال عن استخدام أسلحة عنقودية أو ألغام مضادة للأفراد، وعن الإخفاق المتعمد في التعامل مع المخلفات الحربية. وينوه أن ما يحدث في غزة ملموس على الأرض؛ الإهمال المتعمد من الاحتلال خلق بيئة مليئة بالذخائر التي تهدد حياة سكان قطاع غزة في جريمة حرب كاملة."

اخبار ذات صلة