كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن معطيات جديدة تتعلق بعملية اغتيال القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح، في دبي عام 2010، وهي العملية التي نُسبت إلى جهاز الموساد، وأثارت حينها واحدة من أكبر الفضائح الاستخبارية عالميًا.
وبحسب ما سيُعرض في وثائقي بعنوان حرب الظلال - الاغتيال في دبي، فإن عملية الاغتيال سبقتها محاولتان فاشلتان باستخدام السم، قبل أن تنجح المحاولة الثالثة عبر فريق متخصص ضم نحو 27 عنصرًا، نفذوا العملية داخل أحد فنادق دبي في كانون الثاني/ يناير 2010.
وبدأت القصة عندما أثارت غرفة رقم 230 في فندق “البستان روتانا” الشكوك، بعد بقاء لافتة “يرجى عدم الإزعاج” معلّقة لفترة طويلة.
وعند فتح الغرفة، عُثر على رجل ممدد على السرير بملابس النوم، في مشهد بدا للوهلة الأولى كوفاة طبيعية نتيجة أزمة صحية مفاجئة.
وأظهرت الوثائق التي كان يحملها أنه تاجر فلسطيني يُدعى محمود عبد الرؤوف محمد، دخل دبي بشكل قانوني. لكن في الواقع، كان الرجل أحد أبرز قادة كتائب القسام، والمسؤول عن شبكة تهريب أسلحة من إيران عبر السودان ومصر إلى قطاع غزة.
شكوك حماس تغيّر مسار التحقيق
بعد اختفائه، بدأت قيادة حماس في دمشق البحث عنه، قبل أن تصل إلى جثته في المشرحة. ومع تصاعد الشكوك حول ضلوع إسرائيل، أبلغ ممثلو الحركة شرطة دبي بأن القتيل هو المبحوح، ما أدى إلى تحويل القضية من وفاة طبيعية إلى تحقيق في عملية اغتيال.
وتُشير الروايات إلى أن قائد شرطة دبي آنذاك أبدى غضبًا من وجود نشاط استخباري أجنبي على أراضي الإمارة، مؤكدًا رفض بلاده أن تكون ساحة لتصفية الحسابات.
ورغم التخطيط الدقيق، انكشفت العملية بشكل غير مسبوق، حيث رُصد عناصر الفريق عبر كاميرات المراقبة في المطار والفندق، واستخدموا جوازات سفر أوروبية مزورة وتنكروا بهويات مختلفة، ما أدى إلى تتبع تحركاتهم خطوة بخطوة.
هذا الانكشاف الواسع حوّل العملية من نجاح استخباري إلى أزمة دولية، بعدما كُشفت أسماء وصور المنفذين، وأثارت القضية توترات دبلوماسية بسبب استخدام هويات أجنبية مزيفة.
اعترافات غير مسبوقة
ويتضمن الوثائقي الجديد مقابلات مع شخصيات بارزة، من بينها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الذي وقّع أمر الاغتيال، حيث وصف العملية بأنها “بارعة”، مشيرًا إلى أن السلطات في البداية اعتقدت أن الوفاة طبيعية.
كما يكشف العمل تفاصيل جديدة حول ملاحقة المبحوح منذ ثمانينيات القرن الماضي، ودوره في عمليات عسكرية، من بينها قتل جنود إسرائيليين، إضافة إلى دوره المحوري في بناء شبكات التسليح لحركة حماس.
وتُعد عملية اغتيال المبحوح واحدة من أبرز العمليات التي غيّرت أساليب الاغتيالات الاستخبارية، بعدما أدت الفضيحة إلى إعادة تقييم واسع لطرق تنفيذ العمليات السرية، في ظل التطور التكنولوجي وانتشار أنظمة المراقبة.
وبعد مرور أكثر من 16 عامًا، لا تزال هذه العملية تُشكل نموذجًا معقدًا يجمع بين الدقة الاستخبارية والانكشاف الإعلامي، في واحدة من أكثر قصص “حرب الظلال” إثارة في العصر الحديث.