قائمة الموقع

تقرير حين يُجبر الأطفال على لعب أدوار الكبار.. كيف فرضت الإبادة "النضج القسري" على أطفال غزة؟

2026-04-05T12:06:00+03:00
وكالة شهاب

تقرير / شهاب

يكبر أطفال غزة بحجم "الصدمات" التي خلّفتها الإبادة وتداعياتها المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف؛ إذ تحوّل آلاف الأطفال من صغارٍ ينتظرون الحماية إلى أطفالٍ مثقلين بأدوار الكبار، يقفون في طوابير الخبز والماء بدلًا من الذهاب إلى المدرسة، وينامون بأعينٍ مفتوحةٍ ليحرسوا عائلاتهم داخل خيام النزوح، فيما تُطوى طفولة الصغيرات ليصبحن أمهاتٍ بديلات.

لم تكن حرب الإبادة الإسرائيلية مجرد قصفٍ وقتلٍ وتجويعٍ، بل امتدت لتعيد تشكيل الطفولة نفسها، وتُسرّع نموّها قسرًا؛ ليجد الأطفال أنفسهم في أدوارٍ مجتمعيةٍ أكبر من أعمارهم، يحملون مسؤولياتٍ لا تتناسب مع قدراتهم النفسية والجسدية.

ترفٍ بعيد المنال

يمر يوم الطفل الفلسطيني للعام الثالث على التوالي مثقلًا بواقعٍ لا مكان فيه للاحتفال؛ إذ يقضي غالبية الأطفال يومهم بين البحث عن الماء والغذاء، أو مساعدة عائلاتهم في تدبّر شؤون النزوح. وبينما تُرفع الشعارات عن حماية الطفولة، يعيشون هم طفولةً منقوصة، تُختزل فيها الأحلام إلى النجاة، وتتحوّل فيها الأمنيات البسيطة إلى ترفٍ بعيد المنال، في مشهدٍ يلخّص الفجوة المؤلمة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل.

تشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة إلى أن إجمالي عدد الأيتام في قطاع غزة بلغ 64,616 يتيمًا، منهم 55,157 خلال العدوان الأخير على القطاع؛ معظمهم فقدوا آباءهم بفعل حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق قطاع غزة. وكان النصيب الأكبر لسكان محافظة غزة، حيث بلغ عددهم 21,125 يتيمًا بنسبة 32.7%.

وبحسب وكيل وزارة التنمية الاجتماعية المساعد في غزة، الدكتور رياض البيطار، فإن حرب الإبادة ضاعفت أعداد هذه الفئة الهشة أكثر من مرتين، في ظل استخدام قوات الاحتلال مختلف أنواع الأسلحة، ومواصلة القتل والتدمير على نطاق واسع.

يقول حسام أبو سيف (14 عامًا): "الحرب خطفت كل شيء دفعةً واحدة؛ منزلنا الذي كان يحتضن ذكرياتنا، وأبي الذي كان سندنا، وبعض إخوتي، وكل الأحبة والجيران، وحتى أصدقاء الدراسة الذين كانوا يملؤون أيامنا بالضحك والحياة."

يضيف، وهو يدير بصره في أرجاء الخيمة الصغيرة المكتظة التي تحوّلت إلى مأوى مؤقت منذ بدء الإبادة: "في لحظة واحدة، وبصاروخ واحد استهدف شقتنا السكنية، تغيّر كل شيء في حياتي. لم يعد هناك ذلك الطفل المدلل الذي يتوسط إخوته، بل وجدت نفسي فجأةً في موقعٍ آخر، طفلًا يحمل على عاتقه مسؤولية من تبقى من العائلة بعد استشهاد أبي وأخي الأكبر، وكأن الزمن دفعني دفعةً قاسية إلى عالم الكبار دون سابق إنذار."

ويشرح تفاصيل يومه الذي لا يشبه أيام الأطفال: "أستيقظ باكرًا لأجمع الحطب، وأوقد النار، وأقف لساعات طويلة في طوابير الماء والخبز والمساعدات الغذائية، وأقضي معظم وقتي أتنقل كبائعٍ متجول، أحاول أن أوفّر ما أستطيع من احتياجات أسرتي، حتى وإن كان ذلك على حساب طفولتي التي تتلاشى يومًا بعد يوم."

ويكمل حديثه بنبرةٍ تختلط فيها القوة بالإنهاك: "أستيقظ ليلًا على أصوات الانفجارات، أشعر وكأن الصراخ يمزّق صدري من الداخل، لكنني لا أستطيع أن أُظهر ضعفي، أحاول أن أتماسك، أن أبدو قويًا، لأنني لم أعد مجرد طفل. هناك إخوتي الصغار الذين ينظرون إليّ كملاذ، وكأن عليّ أن أكون درعهم في هذا الخوف كله."

رجل البيت 

ويستدرك: "في كل صباح، تقترب مني أمي وتخبرني أنني رجل البيت وسندها. أسمع كلماتها وأشعر بثقلها يكبر داخلي، فأحاول أن أكون كما تريد، رغم أنني في داخلي ما زلت طفلًا يتمنى فقط أن يعود كل شيء كما كان."

في حين تقول ريم أبو شنب (15 عامًا) إن الحرب كتبت عليها حياةً أخرى لم تكن تتخيلها، بدأت عندما قُصفت العمارة السكنية الخاصة بهم، واستُشهد ثلاثة من إخوتها وزوجاتهم، تاركين وراءهم تسعة أيتام تتولى والدتها المسنّة رعايتهم.

تضيف: "فجأة وجدت نفسي هنا مع والدتي وتسعة أيتام بلا أب أو أم. تذهب أمي لجلب الطعام والماء والمساعدات والخبز، بينما أقوم أنا بالطبخ والغسيل وتعليم الأطفال وحمايتهم من المخاطر التي نواجهها في حياة النزوح."

وتتابع: "فقدت طفولتي بالكامل، وأُجبرت على القيام بدور أم بديلة لتسعة أطفال دفعة واحدة، وليس أمامي خيارات أخرى، فلا يمكنني تركهم دون عناية."

في حين يروي يوسف قدورة (14 عامًا) كيف أعادت الحرب تشكيل ملامح حياته بالكامل، محوِّلةً إياه من طفلٍ حالمٍ وطموح كان يخطّ لمستقبله مثل أقرانه، إلى شخصٍ منهك في يومٍ مثقلٍ بالواجبات، يقضي معظم نهاره في أداء مهام لا تمتّ إلى طفولته بصلة.

يقول يوسف: "لم يعد يومي يبدأ أو ينتهي كما كان من قبل، بل أصبح مطلوبًا مني، منذ أكثر من عامين ونصف، أن أقف في طوابير طويلة لجلب الماء والخبز والمساعدات الغذائية، أنتظر لساعاتٍ تحت الشمس أو البرد، فقط لأؤمّن الحد الأدنى من احتياجات عائلتي."

ويتابع شارحًا تفاصيل ما تحمّله من أدوار تفوق عمره: "لم تتوقف مسؤولياتي عند ذلك؛ فأنا مطالب بحماية أمي وشقيقاتي، ومراقبة إخوتي الصغار. أتابع مع من يجلسون بين الخيام إلى أين يذهبون وماذا يفعلون، وأحرص على إيصالهم إلى النقاط التعليمية القليلة المتاحة، وكأنني أصبحت عينًا ساهرة عليهم في كل وقت."

ويضيف: "أعمل على إصلاح الخيمة كلما تضررت، وأهتم بصيانة خيمة الحمام، وأشعل النار لتأمين الدفء والطهي، وأفعل كل ما يمكنني فعله حتى تبقى أمي بخير، وحتى أشعر أنني قادر، ولو قليلًا، على تعويض جزء من الغياب الكبير الذي تركه والدي."

ويصف يوسف هذه المهام بكلمة واحدة تختصر كل ما يشعر به: "مهلكة"، ثم يتوقف لحظة قبل أن يكمل: "لكنها، رغم ذلك، ليست خيارًا يمكنني رفضه أو حتى التذمر منه. فأنا الابن الأكبر، وقد أصبحت، منذ استشهاد والدي، رجل الخيمة والمسؤول الأول عمّن فيها، حتى وإن كان ذلك يعني أن أضع طفولتي جانبًا، وأمضي في طريقٍ لم أختره، لكنه فُرض عليّ بكل ثقله."

النضج القسري

من جانبها، تقول الدكتورة ختام أبو عودة، خبيرة العلاقات الأسرية، إن الحرب لم تغيّر حياة الغزيين جراء القصف والقتل والجوع وغياب كل أوجه الحياة فقط، بل تعدّت الإبادة ذلك لتغيّر أنماط وأدوار الأطفال في المجتمع بأسره.

وتضيف أن عشرات الآلاف من الأطفال تحوّلوا من صغار يعتمدون على الأمان والرعاية إلى مناضلين صغار في مواجهة واقع وظروف قاسية، يتحملون مسؤوليات لا تناسب أعمارهم، ويُجبرون على التكيّف مع فقدان آبائهم أو أمهاتهم أو كليهما.

منوّهةً أن هذا "النضج" لم يكن خيارهم بالمطلق، بل نتيجة قسرية لتطهير عرقي لم يفرّق بين طفل وبالغ، أو بين صبي وفتاة، وسرق منهم أبسط حقوقهم الحياتية.

وتتابع: "مع كل يوم يمر منذ انتهاء الحرب، تتآكل مساحة الطفولة بصمت، ليصبح التحمّل والواجب بديلًا عن اللعب، ويُكبت الخوف بدل التعبير عنه، بينما تتشكّل شخصياتهم على أساس الصمود القسري أكثر من الرغبة والطموح."

توضّح أبو عودة أن ما يعيشه أطفال غزة اليوم هو نتيجة مباشرة لإبادة جماعية لم تفرّق بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وجنين، إذ وجد آلاف الأطفال أنفسهم يعيشون أدوارًا تفوق أعمارهم ومقدراتهم النفسية والجسدية، في ظاهرة يصفها مختصون بـ"النضج القسري".

وتشير إلى أن الصبيان في غزة باتوا يُدفَعون قسرًا إلى أدوار الحماية والإنفاق واتخاذ القرار، خصوصًا في ظل فقدان الآباء، مؤكدةً أن الطفل هنا "لا يختار الرجولة، بل تُفرض عليه"، فيُطالَب بالتماسك وكبت الخوف، ويُدرَّب اجتماعيًا على لغة القوة والصمت.

وتضيف أن اللعب يتحوّل إلى "ترف غير مسموح"، بينما يُكافأ الطفل كلما بدا أكثر صلابة وأقل تعبيرًا عن ضعفه. هذا الضغط الاجتماعي، بحسبها، لا يصنع شخصية قوية بقدر ما يؤسس لنمط داخلي من القلق المكبوت والشعور الدائم بالواجب.

وعن تجربة البنات، توضّح أبو عودة أن النضج القسري يتخذ شكلًا مختلفًا، لكنه لا يقل قسوة؛ إذ وجدت الكثيرات منهن أنفسهن في موقع الأم البديلة: يرعين الإخوة، وينظّمن شؤون البيت، ويؤجلن احتياجاتهن العاطفية والشخصية.

وترى أن هذا التداخل بين الطفولة والأمومة القسرية يُنتج أنثى "تعتاد العطاء قبل أن تتعلم الأخذ"، ما يترك أثرًا طويل المدى على صورة الذات، وعلى فهم الأنوثة بوصفها تضحية دائمة لا خيارًا.

وتؤكد أن المجتمع، في كثير من الأحيان، يُضفي على هذا الدور طابعًا إيجابيًا، متجاهلًا الكلفة النفسية العميقة.

وتحذّر أبو عودة من أن أخطر ما في النضج القسري ليس ما يظهر على السطح، بل ما يُخزَّن داخليًا؛ فالطفل الذي يُحرَم من المساحة الآمنة للخطأ واللعب والتعلّم، ينمو وهو يشعر أن قيمته مرتبطة بقدرته على التحمّل لا بكونه طفلًا.

وتلفت إلى أن هذا المسار قد يؤدي إلى إنهاك نفسي مبكر، وشخصية قائمة على الواجب أكثر من الرغبة، وعلى تلبية الآخرين قبل فهم الذات.

ترميمية لا مثالية

وفي حديثها عن دور التربية في ظل واقع لا يمكن إيقافه، تميّز أبو عودة بين تعليم المسؤولية بوصفه قيمة تربوية، وتحميل العبء بوصفه انتهاكًا نفسيًا، مؤكدةً أن التربية في سياق الإبادة مطالبة بأن تكون ترميمية لا مثالية.

وترى أن دور الأسرة والنقاط التعليمية البديلة والمساحات المجتمعية يكمن في إتاحة لحظات "طفولة جزئية"، تسمح للطفل بالتعبير عن الخوف والحزن، لا مكافأته على الصمود الصامت فقط. فالسماح بالبكاء، واللعب، والقول "أنا متعب" هو في حد ذاته فعل حماية مطلوب.

وتختم أبو عودة بالتأكيد على أن ما يعيشه أطفال غزة ليس ظرفًا تربويًا استثنائيًا، بل نتيجة مباشرة لإبادة خلّفت آلاف الأيتام، بعضهم بلا أب أو أم، وبعضهم بلا الاثنين معًا. وتشدد على أن هذا الواقع لا يصنع أطفالًا أقوى، بل أطفالًا أكبر من أعمارهم، يحملون ما لا يُفترض أن يحمله طفل؛ فالطفل الذي يكبر قبل أوانه لا يربح الوقت، بل "يخسر جزءًا من نفسه".

وتؤكد أبو عودة أن حماية الطفولة اليوم تبدأ بالاعتراف بأن هذا النضج لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضها العنف وتداعيات الإبادة المتراكمة.

اخبار ذات صلة