تقرير / شهاب
يحيا الغزيون بالأرض وحدها، فهي محور حياتهم، وجذر صمودهم، وسبب استمرارهم في مواجهة كل التحديات. بعد نصف عام من انتهاء الحرب، يعود المزارعون إلى أراضيهم، يحاولون إحياء شعلة الحياة فيها، واستعادة روتينهم اليومي، ورسم ملامح حياتهم الطبيعية، رغم ما خلفته الحرب من أضرار وخراب.
في كل حبة تربة يزرعونها، وفي كل غرسة ينبتونها، تتجلى مقاومة غزة الحقيقية، فهي الأرض التي تمنحهم الصبر والأمل، وتبقى لهم ملاذًا للكرامة وسببًا للاستمرار والصمود.
وتشير تقارير رسمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي ومنظمة الأغذية والزراعة "فاو" إلى أن ما بين 90% و95% من المساحات الزراعية تعرّضت للتدمير، وهي نسبة تعني عمليًا خروج القطاع الزراعي عن الخدمة.
ووفق هذه التقارير، جرى تجريف نحو 145 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الخصبة، مما أدى إلى تعطيل "سلة غذاء غزة" في مناطق بيت حانون وخزاعة والمواصي، حيث يستغرق -حسب التقديرات- استصلاح هذه الأراضي الملوثة بمخلفات المتفجرات سنوات طويلة، إن توفرت الإمكانات.
مصدر رزقنا الوحيد
أما البنية التحتية، فقد كانت هدفًا مباشرًا، إذ تم تدمير أكثر من 1,100 بئر زراعي و450 ألف متر طولي من شبكات الري، إضافة إلى سحق نحو 12,500 دفيئة زراعية، وتُقدّر الخسائر المباشرة لهذا القطاع بنحو 2.2 مليار دولار، مما أدى إلى ارتفاع جنوني بأسعار السلع الأساسية، فاق القدرة الشرائية للسكان المحاصرين.
من جانبه، يقول المزارع عنان أبو زيد (55 عامًا): "اضطررنا لمغادرة أراضينا مع الأيام الأولى للحرب، ونزحنا نحو مناطق الجنوب تاركين وراءنا أرضًا منتجة، ونعتمد عليها في مأكلنا ومشربنا وحياتنا بأكملها، فهي مصدر رزقنا الوحيد".
ويضيف بعد عامين من الحرب: "وفور عودتنا إلى الأراضي، قررنا أن نعود فيها إلى ما قبل الحرب، على الرغم من التغير الكبير لشكل الأرض، حيث تغطيها الأعشاب الكثيفة والسواتر الترابية التي أقامها الاحتلال على مدار عامي الإبادة".
ويتابع: "نحاول إعادة الأرض إلى شكل حياتها الطبيعي، على الرغم من عدم امتلاكنا الأموال الكافية لاستئجار الآليات الثقيلة لاستصلاح الأرض، ولا نستطيع حتى حراثتها، ولذلك لجأنا إلى استخدام أدوات يدوية بسيطة كالمجارف والفؤوس".
ويضيف بنبرة يختلط فيها العجز بالإصرار: "نفتقر للمواد والإمكانات اللازمة للعمل، خاصة بعد كل هذا الانقطاع الطويل. فالأرض التي نجت من القصف لم تنجُ من التجريف، والبنية التحتية الزراعية تحوّلت إلى أطلال، ومع غياب الآليات الحديثة، بات العمل الزراعي أقرب إلى معركة جسدية يومية".
فيما يحاول المزارع أحمد المصري (54 عامًا) إعادة الحياة إلى تربة أنهكها القصف، ويقول: "أحاول جاهداً إصلاح ما يمكن في هذه الأرض، لكننا لا نملك القدرة على فعل شيء حقيقي لغياب الآليات والأموال والجهات المسؤولة لمساعدتنا في زراعة الأرض مجددًا".
ويضيف: "هذه الأرض توفر كل احتياجاتنا من الغذاء، أما الآن فلا بذور متوفرة، ولا أنابيب ري، ولا حتى المبيدات اللازمة لحماية الخضروات، منوّهًا إلى أن المستلزمات الزراعية الأساسية منعدمة في كل قطاع غزة، وإن وُجدت فتكلفتها مرتفعة جدًا".
ويصف أحمد يومه الزراعي وكأنه سباق مع الإنهاك: "نجهد أنفسنا في العمل اليدوي الشاق، وقد كلّت ظهورنا من التعب في ظل غياب أي معدات حديثة أو مواد مساعدة". ومع ذلك، "لا نفكر في التراجع عن إحياء أراضينا الزراعية ومصادر رزقنا الوحيدة".
غير منطقي
في حين يقول تيسير أبو رويضة (54 عامًا): "كل الظروف المحيطة تضعنا في مواجهة يومية مع الفشل والانسحاب من مهمتنا في إعادة الأراضي الزراعية إلى الحياة، ورغم ذلك نبذل كل المحاولات للاستمرار في زراعة الأرض، كونها كل ما نعرفه كنسق للحياة في غزة".
ويضيف: "نعيش في مواجهة ومعاناة يومية مع ارتفاع أسعار المعدات الزراعية والأسمدة والحبوب، وري المزروعات، وسعر الوقود، وكلها أزمات يمكن أن تعيدنا إلى الصفر في حال لم يكن لدينا نفس طويل للمواجهة والصمود".
ويضرب ابو رويضة أمثلة صادمة بقوله: "لفة أنابيب الري التي كان سعرها قبل الحرب 50 شيكلًا، صارت اليوم 1000 شيكل"، ويتابع: "الدونم (الدونم = 1000 متر مربع) الواحد من الفجل، الذي كان يكلّف 50 شيكلًا، أصبح الآن 2000 شيكل، و3 دونمات من البطاطس قفزت تكلفة بذورها فقط من 200 شيكل إلى 10 آلاف شيكل".
ويرى أبو رويضة أن غياب جهة داعمة للمزارعين يهدد بانهيار شامل للقطاع: "فالمزارع هو ركيزة الاقتصاد، وإذا تعافى القطاع الزراعي ستتوفر فرص العمل ويتحقق الأمن الغذائي، لكن كافة المؤشرات تقول إن الأوضاع تزداد سوءًا جرّاء أزمة الوقود، وهذا يعني غياب وسائل الري الأخرى واعتمادنا بالكامل على مياه الأمطار وحدها".
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، أن القطاع الزراعي في قطاع غزة لم يعد مجرد ركيزة اقتصادية، بل تحول في ظل الحرب إلى وسيلة أساسية للبقاء، في وقت فقدت فيه مساحات واسعة من الأراضي قدرتها الإنتاجية، وتراجعت إمكانية الوصول إلى الموارد الضرورية.
ويوضح الطباع أن الزراعة تُعد من أكثر القطاعات تضررًا جرّاء الاستهداف المباشر، لا سيما في المناطق الشرقية التي تشكل العمود الفقري للسلة الغذائية في القطاع.
ويشير إلى أن إسرائيل تسيطر على ما يزيد عن 60% من هذه الأراضي، بينما لا تتجاوز المساحة المتبقية ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر 40%، الأمر الذي فاقم بشكل كبير من أزمة انعدام الأمن الغذائي.
ويضيف أن القيود المفروضة على إدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي، مثل الأسمدة والبذور والأشتال، زادت من تعقيد المشهد وأسهمت في تعميق الأزمة الغذائية التي يعاني منها السكان.
مساحات محدودة للغاية
وبيّن الطباع أن ما يجري على الأرض يعكس تحولًا جذريًا في طبيعة النشاط الزراعي، حيث بات المواطنون يعتمدون على وسائل بدائية في الزراعة، في ظل غياب الإمكانات الأساسية، ما يحدّ من القدرة على تحقيق إنتاج كافٍ، منوّهًا إلى أن تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار دفعا العديد من السكان إلى اللجوء للزراعة بدافع الحاجة، حتى في مساحات محدودة للغاية، لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، في ظل تنامي مخاطر المجاعة.
من جهته، رأى الخبير الزراعي والناطق باسم وزارة الزراعة في غزة، المهندس محمد أبو عودة، أن الحديث عن تعافٍ حقيقي للقطاع الزراعي في غزة "مرتبط عضوياً ببدء عملية إعادة الإعمار وفتح المعابر بشكل كامل وغير مشروط".
ويقول: "لا يمكن لأي خطة إنقاذ زراعية أن تنجح في ظل القيود المفروضة على إدخال المعدات والمواد الأساسية اللازمة لحالة التعافي، إذ يحتاج الأمر إلى بيئة مفتوحة، لا حلول جزئية أو مؤقتة".
ويضيف أن إزالة السواتر الترابية ومخلفات الحرب، وإعادة تأهيل الآبار وشبكات الري، وتوفير البذور والأسمدة والمبيدات بأسعار مدعومة، خطوات ضرورية لكنها "ستبقى محدودة الأثر ما لم يبدأ إعمار حقيقي وشامل للبنية التحتية".
ويوضح: "نحن نتحدث عن قطاع فقد معظم قدرته الإنتاجية، وإعادة تشغيله تتطلب إدخال آليات ثقيلة ومواد بناء وأنظمة ري حديثة ووقود بصورة منتظمة، وهذا لن يتحقق دون فتح كامل وغير مشروط للمعابر".
وشدد المهندس أبو عودة على أن الزراعة في غزة ليست قطاعًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل هي ركيزة الأمن الغذائي ومصدر رزق لعشرات الآلاف من الأسر.