طرح مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق تساؤلات حول جدوى استمرار النهج العسكري الحالي في مواجهة إيران، مؤكدًا أن الضربات التي تلقتها طهران، رغم تأثيرها، لم تنجح في كسر النظام أو تغيير سلوكه بشكل حاسم، ما يستدعي إعادة تقييم الاستراتيجية المتبعة.
وفي تحليل نشره هآرتس، اعتبر إيل تسير كوهين، الرئيس السابق لقسم “تِبِل” في الموساد، أن إيران لم تُفاجئ حتى الآن في سلوكها خلال المواجهة، بل التزمت بنهج “الامتصاص والصمود”، ضمن ما وصفه بـ”انضباط حرب الاستنزاف”، دون إظهار تحولات استراتيجية نوعية.
وأوضح أن السؤال المركزي لم يعد يقتصر على حجم الأضرار التي أُلحقت بإيران، بل بات يتعلق بمن يحدد إيقاع المعركة ومنطقها، محذرًا من الاستمرار في إدارة الصراع وفق قواعد تخدم طهران.
وأشار التحليل إلى أن الأسابيع الأخيرة أظهرت تفوقًا استخباراتيًا وعملياتيًا واضحًا لإسرائيل والولايات المتحدة، من خلال استهداف القدرات العسكرية الإيرانية ومنظوماتها الصاروخية. غير أن هذه الإنجازات، بحسب كوهين، كشفت في الوقت ذاته حدود القوة العسكرية، إذ تمكنت إيران من امتصاص الضربات والتكيف معها، مع مواصلة الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية وعلى الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، استعرض كوهين مقاربتين رئيسيتين داخل النقاش الاستراتيجي الإسرائيلي. تقوم الأولى على مواصلة “الاستنزاف العسكري” عبر ضربات دقيقة تستهدف القدرات العسكرية، مع الحفاظ على مستوى تصعيد محسوب يحد من مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة ويحافظ على الشرعية الدولية.
لكن هذه المقاربة، وفق التحليل، تبقى محدودة التأثير، إذ لا تغيّر قواعد اللعبة، وتسمح لإيران بالاستمرار في الصمود. كما أن كلفتها تتزايد مع مرور الوقت، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو النفسي داخل إسرائيل، في ظل حالة استنزاف ممتدة.
في المقابل، تطرح المقاربة الثانية خيار تصعيد مختلف، يتمثل في استهداف البنية التحتية الاقتصادية والوطنية في إيران، بما يشمل قطاعات الطاقة والكهرباء والصناعة، بهدف تقويض قدرة النظام على العمل والتعافي، وليس فقط إضعاف قدراته العسكرية.
ويرى كوهين أن ضرب هذه البنية قد يُحدث تأثيرًا مضاعفًا، إذ يؤدي إلى تعطيل الإنتاج والخدمات، وإضعاف القدرة على إصلاح الأضرار، وتقليص فعالية الموارد المالية، ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار النظام وقدرته على الحكم.
كما أشار إلى أن هذا النوع من الضغط قد يحمل بعدًا نفسيًا مهمًا، إذ يؤدي تدهور الخدمات الأساسية إلى تآكل ثقة المواطنين بقدرة النظام على إدارة شؤون الدولة، ما قد يخلق ضغطًا داخليًا متزايدًا.
ورغم ذلك، حذّر التحليل من مخاطر هذا الخيار، بما في ذلك احتمال التصعيد الواسع، أو تعرض بنى تحتية داخل إسرائيل لهجمات مقابلة، إضافة إلى عدم ضمان أن يؤدي الضغط على السكان إلى إضعاف النظام، إذ قد يسهم في تعزيز التماسك الداخلي في مواجهة تهديد خارجي.
واختتم كوهين تحليله بالتأكيد على أن الخيارين – الاستنزاف العسكري واستهداف البنية التحتية – ليسا متناقضين بل مكملين لبعضهما، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بينهما، وتحديد التوقيت المناسب الذي يحوّل الضغط العسكري إلى فرصة سياسية تتيح الوصول إلى تسوية.