إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ...
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
يشير أحمد شوقي، في هذا البيت لبقاء الأمم وقوتها مرتبط بتمسكها بالقيم والأخلاق الفاضلة، وأن انهيار الأخلاق يؤدي حتماً إلى زوالها و البيت يعتبر شعاراً للأخلاق وأساساً لحضارة الشعوب ، ونحن اليوم نستذكر هذا القول في مشهد تسرب فيديو يوثق كواليس غداء عيد الفصح الذي أقامه دونالد ترامب لمجموعة مختارة من القادة الدينيين وأعضاء إدارته، حيث ألقى ترامب خطاباً استخدم فيه الرموز الدينية ليقدم نفسه ليس كرئيس منتخب، بل كقائد ذي مكانة استثنائية شبه إلهية، متجاوزاً بذلك كل الأعراف السياسية التي فصلت بين الدين والدولة في المؤسسة الأمريكية لأكثر من قرنين. ترامب لم يكتف بمقارنة نفسه بجورج واشنطن وأبراهام لينكولن ، بل أشار إلى يسوع المسيح بشكل مباشر، في مشهد عكس رؤيته لنفسه كرمز سياسي وديني في آن واحد، وكأنه يعلن عن ميلاد "إنجيل جديد" لا يحمل قيم التسامح والمحبة التي عرف بها المسيح، بل إنجيل قائم على الانتقام و نشر الفساد وهو ما تجلى بسياساته العدوانية اتجاه خصومه في مجال السياسة والاقتصاد ، وما سبق إعلانه من وثائق عن اشتراكه في جرائم جزيرة ابستين تلك الوثائق التي كشفت عن أخلاقيات نخبة فاسدة تستبيح الأطفال وتشتري الضمائر وتدير شبكات الابتزاز والجنس واكل لحوم البشر ، مما يثير تساءلا : كيف يمكن لهؤلاء أن يديروا العالم؟ وهل كان ينبغي أن نصدق أن الذين مارسوا الجنس مع قاصرين ووثقوا كل شيء بالكاميرات سيتورعون عن تفجير مستشفى أو مدرسة أطفال او تجويع أمة؟
اليوم نجد الإجابة واضحة مدوية: نفس العقلية التي كانت تستبيح حرمات الأطفال في جزيرة إبستين هي ذاتها التي ترتكب المجازر في غزة و قتل الأطفال في ايران وتفجر المستشفيات والمدارس في اي مكان يقول لها ولاسرائيل كلا للتطبيع.
ان من يجرؤ على قصف مدرسة تؤوي نازحين في غزة، أو نسف مبنى سكني فوق رؤوس سكانه في جنوب لبنان، أو تهديد بضرب المنشآت المدنية في إيران، لا يمكن أن يتورع عن أي جريمة، لأنه ببساطة فقد بوصلته الأخلاقية منذ زمن بعيد، واستبدل الضمير بالغرور، والعدالة بالانتقام. وما يحدث الآن في الشرق الأوسط، من حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، ليس سوى امتداد طبيعي لمنطق "إبستين" و"إنجيل ترامب" ذاتهما، منطق من لا يرى في الآخر إنساناً بل أداة للمتعة أو عائقاً يُزال، ومن يعتقد أن القوة وحدها هي التي تخلق الشرعية، وأن الانتقام أسمى من العدل.
منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير 2026، أعلنت واشنطن وتل أبيب أهدافهما بوضوح: تدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، وإحداث و اسقاط النظام ، لكن بعد أكثر من شهر على الحرب، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فإمريكا لم تتمكن من تحقيق اي من أهدافها المعلنة ، بل ان العدوان على ايران وضع امريكا في موقف لا تحسد عليه ، فقد أضيف إلى أهدافها المعلنة هدفا رابعا بعيد المنال وهو فتح مضيق هرمز ، الذي كان مفتوحا قبل العدوان ، حيث فشلت كل محاولات امريكا وتوسلاتها لفتح المضيق ، بل تحول إلى سلاح استراتيجي بيد إيران، التي طورت نظام "رسوم المرور" ، مما يعني أن 20% من النفط والغاز العالمي أصبح رهينة لإرادة طهران مما عقد المشهد على امريكا وحلفائها في هذه الحرب ، أثبتت أمريكا أنها لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة، بينما حققت إيران ما يمكن وصفه بانتصار استراتيجي، فهي الدولة الوحيدة في العصر الحديث التي تحملت هجوماً أمريكياً إسرائيلياً مشتركاً دون أن تنهار، وخرجت من الحرب وهي تتحكم في عصب الاقتصاد العالمي، وتظهر بعد هذه الحرب كقوة عظمى جديدة بلا منازع في المنطقة.
ايران استطاعت خلال عقود من الزمن من التقاطعات الموجودة بين كل من الصين وروسيا وأمريكا حيث اقامات علاقات متينة مع الصين وروسيا اقرب ماتكون إلى التحالفات وقد أُتت أكلها في هذه الحرب حظيت بدعم كبير من روسيا والصين، وإن بدرجات متفاوتة. روسيا قدمت معلومات استخباراتية وتكنولوجيا طائرات مسيّرة ، واستغلت الحرب لتحقيق مكاسبها الخاصة: ارتفاع أسعار النفط يملأ خزينتها، وانشغال أمريكا بالشرق الأوسط يخفف الضغط عنها في أوكرانيا. أما الصين، فمنحت إيران إمكانية الوصول إلى نظام "بيدو" للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، مما يفسر الدقة المذهلة للصواريخ الإيرانية، مقابل استمرار تدفق النفط الإيراني اليها . كما كانت الصين أكثر حذراً، فهي تعتمد على الخليج لاستيراد نصف احتياجاتها من الكبريت وكميات كبيرة من الغاز المسال، وان استمرار إغلاق لمضيق هرمز سيضر باقتصادها بشدة، لذلك مارست ضغوطاً خلف الكواليس على إيران لتخفيف اجراءاتها حول غلق مضيق هرمز .
أما الخاسر الأكبر في هذه المعركة، فهم بلا شك دول المنطقة، التي قدمت أراضيها ومنشآتها لتكون القاعدة الأساسية التي انطلقت منها آلة الحرب الأمريكية وقد تحولت هذه الدول من ملاذ آمن إلى ساحة مواجهة ، والأخطر من ذلك، الخسارة السياسية، فدول المنطقة راهنت على أن الحرب ستسقط النظام الإيراني أو تضعفه بشدة، لكن العكس حدث، فإيران خرجت أقوى ومحور المقاومة أصبح أكثر جرأة، واليوم تجد هذه الدول نفسها أمام واقع جديد: إيران موجودة وبقوة، وأمريكا لم تنتصر، والحرب لم تنته. الدرس المستفاد أن الاعتماد على أمريكا للدفاع عن المصالح الخليجية لم يعد مضموناً، وأن القواعد الأمريكية تحولت إلى أهداف بدل أن تكون رادعاً.
أما اليمن، فهي الجبهة التي لم تُفتح بعد. فإذا كانت إيران قد أغلقت مضيق هرمز، فإن الحوثيين في اليمن ينتظرون دورهم لإغلاق باب المندب، الممر الملاحي الحيوي الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. اليمن التي مزقتها الحرب لسنوات لم تكن مجرد ضحية، بل كانت مختبراً لتطوير استراتيجيات المقاومة غير التقليدية، حيث تمكن الحوثيون من تطوير ترسانة صاروخية ومسيرات قادرة على ضرب أهداف في العمق الاسرائيلي ، الرسالة واضحة: إذا قامت أمريكا بأي هجوم بري على إيران، أو إذا حاولت تصعيد الحرب، فإن الحوثيين لن يترددوا في فتح الجبهة الجنوبية، وسيغلق باب المندب بالكامل .
اليمن ليست مجرد جبهة عسكرية، بل هي ورقة ضغط إنسانية، فإذا تدخلت القوات الأمريكية بشكل مباشر فيها، فستواجه نفس الكابوس الذي واجهته في أفغانستان وفيتنام وربما اشد ضراوة ، تضاريس وعرة، عدو غير تقليدي، وسكان يعانون من أسوأ أزمة إنسانية في العالم. بالنسبة لترامب، فتح جبهة يمنية يعني كارثة انتخابية، في خضم هذه الحرب الضروس، لعبت اسلام اباد دور الوسيط بين واشنطن وطهران، حيث قدمت مبادرة لوقف إطلاق النار أُطلق عليها اسم "اتفاق إسلام آباد".
لكن حتى قبل هذه المبادرة الباكستانية، كان المسؤولون الإيرانيون قد وصفوا أي حديث عن هدنة أمريكية بأنها ولادة ميتة ، وزير الخارجية عراقجي أعلن على التلفزيون الرسمي أن حكومته لم تخض في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، ولن تخوض، مؤكداً أن "التحدث عن المفاوضات الآن هو اعتراف بالهزيمة".
كما أوضحت إيران، عبر قنواتها الرسمية، أن أي اتفاق لن يرى النور ان لم يتضمن العناصر التالية :
أولاً، وقف دائم لإطلاق النار وليس مؤقتاً أو هدنة هشة؛
ثانياً، ضمانات دولية ملزمة بعدم تكرار العدوان من قبل أمريكا وإسرائيل؛
ثالثاً، تعويضات عن الأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية نتيجة القصف الأمريكي الإسرائيلي؛
رابعاً، رفع نهائي وغير مشروط لجميع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران؛
خامساً، إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، وخاصة القواعد الأمريكية التي استخدمت لشن الحرب. بل ذهبت طهران إلى أبعد من ذلك، فأصدرت خطتها المضادة المكونة من خمس نقاط عبر التلفزيون الرسمي، والتي تؤكد على "ممارسة إيران لسيادتها الكاملة ، وهي تعكس واقعاً جديداً فرضته إيران على الأرض: لقد أثبتت أنها قادرة على إغلاق المضيق وتعطيل الملاحة، وأنها قادرة على تحمل أطول حرب، وأن أي هدنة لا تحميها من عدوان مستقبلي هي مجرد فخ.
الحقيقة التي يجب أن تقال بكل وضوح، والتي تؤكدها جميع المعطيات الميدانية والدبلوماسية، هي أن أمريكا منيت بهزيمة تاريخية في هذه الحرب، وهي اليوم في مرحلة انهيار كامل على جميع الأصعدة ، بعد فشلها في تحقيق أي من أهدافها المعلنة وتخلي حلفائها عنها حتى اصبحت بحكم المعزولة ، فيما نجحت إيران بكسر الحصار ، والتفاف الشعب حول قيادته في دفاع مقدس عن بلدهم غير مبالين بتهديدات ترامب بتفجير الجسور ومحطات الكهرباء والمنشات المدنية ، لقد أصبحت أمريكا اليوم في موقف من يريد وقف الحرب لكنه لا يملك القوة لفرض شروطه، ولا يملك الكرامة للاعتراف بهزيمته.
ولذلك، فإن أي حديث عن هدنة أو مفاوضات لا ينطلق من الاعتراف بهذه الحقائق هو مجرد مضيعة للوقت. إيران اليوم ليست في موقف من يطلب الهدنة، بل في موقف من يملك زمام المبادرة، وقد أعلنت مراراً أنها لن توقف الحرب التي بدأتها أمريكا وإسرائيل إلا بشروطها هي، وأنها جاهزة لمواجهة كل السيناريوهات، من استمرار القصف إلى الغزو البري، ومن المفاوضات إلى التصعيد ، وهكذا نصل إلى خلاصة حتمية: الحرب لن تنتهي بصفقة مؤقتة أو بهدنة هشة تولد ميتة، كما أعلن المسؤولون الإيرانيون بوضوح ، الحرب ستنتهي بإدراك أمريكا لحقيقة واحدة بسيطة: أن الزمن الذي كانت تفرض فيه إرادتها بالقوة قد ولى، وأن إيران اليوم هي قوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها أو تدميرها، وأن خيارات واشنطن أصبحت محدودة للغاية: إما أن تقبل بالهزيمة وتنسحب بهدوء، وإما أن تغرق في مستنقع أعمق ، إن القيد الوحيد على سلطة ترامب، كما أعلن بنفسه، هو "أخلاقه الخاصة"، وهذه الجملة هي جوهر الأزمة وأصل الداء ، فلو كانت أخلاق ترامب هي ذات الأخلاق التي نزلت بها الكتب السماوية ودعت إليها الحضارات الإنسانية، لكان الأمر مقبولاً، لكن الحقيقة أن "أخلاق ترامب" هي أخلاق جزيرة إبستين ذاتها: أخلاق من لا يرى في الآخر إنساناً، بل أداة للمتعة أو الربح أو النفوذ؛ أخلاق من يعتقد أن القوة وحدها تخلق الحق، وأن الانتقام أسمى من العدل، وأن الكذب وسيلة مشروعة إذا حققت الغاية.
إنها الأخلاق التي تجعل الإنسان يقارن نفسه بالمسيح ويطلب من أتباعه أن يقدسوه، وفي الوقت نفسه يهدد بقتل الأطفال و بتفجير المنشآت المدنية ويصف خصومه بعبارات نابية. هذا التناقض الصارخ بين الادعاء الإلهي والسلوك الشيطاني هو ما يكشف حقيقة هذه العصابة التي تدير أمريكا اليوم، ويؤكد أن الإمبراطورية لم تعد تسقط من الخارج بل تتهاوى من الداخل بفعل فساد أخلاق قادتها.
وفي الختام ، نؤكد على حقيقة ثابتة: الأمم باقية ما بقيت أخلاقها، فإذا ذهبت الأخلاق ذهبت الأمم، وإن بدت قوية في الظاهر. لقد بدأت الإمبراطورية الأمريكية في الانهيار منذ اللحظة التي استبدلت فيها العدل بالقوة، والرحمة بالانتقام، والتسامح بالغرور. وما نراه اليوم من جرائم جزيرة إبستين اللاإنسانية، مروراً بتقمص ترامب شخصية "يسوع المنقذ" و"القائد ذو المكانة الاستثنائية وشبه الإلهية"، وانتهاءً بما ترتكبه أمريكا وإسرائيل من جرائم ضد الإنسانية، من تجويع وقتل ودمار وفساد في الأرض، ليس سوى أعراض لمرض أخلاقي عضال أصاب قلب هذه الإمبراطورية. وبينما تنتظر اليمن ساعة الصفر لإغلاق باب المندب، وتنتظر المقاومة في غزة ولبنان اللحظة المناسبة لاستعادة المبادرة، وتنتظر إيران تنفيذ تهديداتها بشروطها التي لا تقبل المساومة، فإن الساعات والأيام القادمة ستكون حاسمة في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد. فالتاريخ لا يرحم، والدماء التي سفكتها أمريكا وإسرائيل وحلفاؤها ستلاحقهم، واليوم الذي تسقط فيه أوهامهم، سيسقط معهم عالم كامل من الظلم والاستكبار، ويشرق فجر جديد تقوده قيم العدل والكرامة الإنسانية، لا قيم الانتقام والغرور والوحشية التي تمثلها شخصية ترامب وعقلية إبستين وإجرام نتنياهو. ولن تجد لسنة الله تبديلاً، فكما أهلك الله الطغاة السابقين من فرعون ونمرود ، سيهلك هؤلاء الطغاة الجدد، وتبقى الأمم التي تمسكت بأخلاقها وعدلها صامدة على مر العصور.