تقرير – شهاب
بين خيمةٍ وأخرى، لا يفصل بين الأسرار والعلن سوى قطعة قماشٍ مهترئة، في واقع جديد حوّل حياة آلاف العائلات في قطاع غزة إلى كتاب مفتوح، حيث غابت الجدران، وتلاشت معها أبسط حقوق الإنسان في الخصوصية والهدوء.
لم يعد للبيت باب يُغلق، ولا للحديث سرّ يُكتم، فأصوات الهمس تخترق النايلون، وحركات الجسد ترتسم ظلالًا على أطراف الخيام، ليجد النازح نفسه يعيش تفاصيل حياته اليومية تحت سمع وبصر المئات من حوله.
وتحوّلت الخصوصية في مراكز النزوح إلى رفاهية بعيدة المنال، حيث تُضطر العائلات لتقاسم المساحات الضيقة، ومشاركة أدق تفاصيل النوم والطعام والحديث مع الجيران، في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الستر التي اعتادوا عليها في بيوتهم قبل الدمار.
الخصوصية صارت حلم
تقول أم رائد أبو طيور، نازحة في مخيمات مواصي خانيونس، "أصعب شيء في الخيمة فقدنا للستر، الكلام بنهمس فيه همس عشان الجيران ما يسمعوا".
وتضيف في حديثها لوكالة شهاب، "كنا ببيوتنا ملوك خلف أبواب مسكّرة، اليوم الكل بيعرف شو طبخنا وشو حكينا، وحتى لو اختلفنا المخيم كله بصير عنده خبر، مفيش خصوصية ولا في راحة".
وتتابع، "الخيمة عبارة عن شادر نايلون، لا بيمنع صوت ولا بيستر حركة، حتى النفس محسوب علينا داخل الخيمة".
أما شاكر أبو فول فيقول، "الوجع مش بس في قلة الأكل، الوجع إنك فقدت هيبتك، مفيش حيطان تستر أوجاعنا، القماش ما بمنع شيء ولا بيستر حال، والخصوصية صارت حلم".
ويضيف لشهاب، "حتى لما نختلف أو بدنا نربي أولادنا بنضطر نسكت عشان ما نفضح حالنا قدام الناس، الضغط النفسي كبير، ومفيش زاوية في الخيمة تقدر تقول عنها إنها ملكي أو مساحتي الخاصة".
ويتابع، "صرنا بنعيش حياتنا بالعلن غصب عنا، وهذا أصعب شيء بيمر على الرجل وعيلته".
من جانبها، تقول سمر عودة، "شعور مؤلم وصعب إنك تعيش حياتك كلها قدّام الناس، حتى اللحظات اللي المفروض تكون خاصة بينك وبين عائلتك صارت مكشوفة".
وتضيف في حديثها لشهاب، "فقدت قدرتي أكون لحالي ولو لدقائق، كنت قبل الحرب أقعد في غرفتي أرتّب أفكاري، أقرأ، اليوم ما في مساحة تسمحلك تفكر، كل شيء حوالينا ضجة وحركة وصوت".
وتتابع، "الإنسان بطبيعته بحاجة لمساحة شخصية، بس زاوية صغيرة يشعر فيها إنه ملك نفسه، بالخيمة هذا الإحساس اختفى، كل حركة محسوبة، وكل كلمة ممكن توصل للجيران بدون قصد".
أزمات نفسية
بدورها، تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية سمية السويركي، إن الأهالي في غزة كانوا قبل الحرب يحافظون على خصوصياتهم ويحترمون مساحة الآخرين من حولهم، حتى جاءت الحرب وغيّرت هذه الأوضاع، وأجبرت السكان على كشف سترهم في كثير من شؤون حياتهم.
وتوضح في حديثها لوكالة شهاب، أن مسار النزوح بدأ بالتنقل بين صفوف المدارس والفصل بين العائلة والأخرى بقماش خفيف، إلى أن وصل الحال إلى خيام مكدّسة بجانب بعضها البعض، مشيرة إلى أن أهل غزة لم يعتادوا على هذه الحياة، وأن انعدام الخصوصية في خيام النزوح يؤدي إلى أزمات نفسية واجتماعية ، حيث يعيش الآلاف في مساحات ضيقة ومكشوفة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة.
وتضيف السويركي، أن هذا الوضع يتسبب في ضغط نفسي، وارتفاع وتيرة المشاحنات الأسرية، وشعور دائم بالانكشاف والخجل، مما يحوّل المخيمات إلى بيئة مشحونة بالتوتر والعجز.
وتلفت إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر من هذا الانعدام بالخصوصية، إذ يواجهن صعوبات يومية في تبديل الملابس أو استخدام المراحيض المشتركة.
وتتابع أن النساء يضطررن لارتداء ملابس محتشمة طوال الوقت، حتى داخل الخيمة، مع انعدام القدرة على الحصول على الاحتياجات الصحية الأساسية، مما يضاعف إرهاقهن الجسدي والنفسي.
كما لفتت السويركي، إلى أن الأثر يمتد ليشمل الأطفال، الذين يُحرمون من "حق الاختباء" وبراءة الطفولة، ويشهدون تفاصيل حياتية اجتماعية وبيولوجية تفوق استيعابهم، مما يؤدي إلى "بلوغ قسري" وتشوه في نموهم النفسي.
وتنوّه إلى أن هذا الوضع يفرض على الأسر تكيّفًا مؤلمًا مع بيئة لا تمنح لحظة خلوة، مما يفكك النسيج الاجتماعي والتماسك الأسري.