تقرير - شهاب
"بدي أشم ريحة بيتي في خيمتي"، بهذه الكلمات تختصر الحاجة أم جمال أبو شعر حكاية شتلات النعناع التي تنهض في خيمتها بمواصي خانيونس ، ففي قطاع غزة صار الزرع وسيلة للتمسّك بالحياة في وجه الخراب الذي خلّفته "إسرائيل" في حربها على القطاع.
ووسط صخب النزوح ، تخصّص السبعينية أم جمال جزءًا من حصتها الضئيلة من الماء لريّ شتلاتها الصغيرة، في طقس صباحي تحافظ عليه وكأنها في حديقة منزلها الذي دمّره الاحتلال في خربة العدس شمال رفح.
وتقول أم جمال في حديثها لوكالة شهاب، "كل يوم الصبح، أول شيء بعمله بسقي هالشتلات، ريحة النعناع بتهوّن عليّ قسوة النزوح، وبتحسسني إنه لسه في حياة، وإنه بكرة رح نرجع ونبني الدار ونزرع الحوش من جديد".
وتضيف، "الاحتلال بدو إيانا نعيش في سواد ورماد، وإحنا بنرد عليه بالزرع البسيط، هادي الشتلات هي راحتي، بحب أقعد قريبة منهن، زي ما كنت في بيتي أقعد بالحوش اللي كنت زارعاه، بس الحمد لله، البيت راح وكل شيء راح معه".
أما الشاب صلاح البسيوني، الذي نزح من شمال غزة، فقد قام بشراء بذور "الجرجير" و"الفجل" ليزرعها في محيط خيمته، محوّلًا رمل النزوح القاحل إلى مساحة صغيرة للإنتاج والجمال.
يقول صلاح لشهاب، "إحنا بغزة أهل عز وجمال، وبيوتنا دائمًا حلوة وجميلة وفيها زرع، حتى لو راحت بيوتنا، بنحاول نزرع الخيمة الزراعة بتعطيني شعور بالأمل، وإنه هادا الواقع الصعب حتمًا سينتهي".
ويضيف، "لما بشوف النبتة بتطلع، بحس إن غزة مثل هالشتلة؛ قوية، وبتقدر تعيش في أصعب الظروف"، متابعًا، "لو استسلمنا للوجع بنموت، عشان هيك بنزرع عشان نعيش".
وتشاركهم أم مصطفى السحار، وهي نازحة من شمال القطاع، تجربتها مع الزراعة في الخيمة، إذ جمعت التراب من أطراف المخيم وزرعت فيها شتلات بصل وثوم.
تقول في حديثها لشهاب، "أنا طول عمري بحب الزراعة، كنت أزرع على سطح بيتي قبل الحرب، الزرع بريح القلب، وبخفف من وجعنا".
وتضيف، "الزرع بلهّينا عن كلام وقصص الحرب، لما يجوا جاراتي صرنا نحكي عن كيف نكبر الشتلات، وشو كل وحدة زارعة عندها"، مؤكدة أن هذه اللحظات البسيطة أعادت لها شعورًا بالانتماء والطمأنينة، رغم قسوة الحياة في الخيمة.
وأصبحت خيام النزوح في قطاع غزة لا تكاد تخلو من بعض الشتلات المزروعة، في محاولة من النازحين لخلق مساحة صغيرة من الحياة وسط القسوة التي تحاصرهم.
وعلى مدار عامين من الحرب، ظل الغزيون يثبتون أن إرادة الحياة أقوى من آلات الدمار، فمن رحم الفقد يخرجون ورقة خضراء، ومن قلب الألم يصنعون حديقة، في رسالة صامتة للعالم: "نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا".