قائمة الموقع

"ميتا" تموّل خطاب الاستيطان وتُقصي الفلسطينيين..أرباح رقمية من التحريض في ظل تصاعد عنف "إسرائيل"

2026-04-16T10:35:00+03:00
شهاب - وكالات

في ظل تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني وتصاعد مستويات العنف الذي تمارسه "إسرائيل" بحق الفلسطينيين، تكشف معطيات جديدة عن بُعد اقتصادي مقلق يتقاطع مع هذا الواقع، حيث تقوم شركة "ميتا" بمكافأة حسابات مرتبطة بالمستوطنين وخطابات التحريض عبر برامج تحقيق الدخل التابعة لها، في مقابل تهميش شبه كامل للفلسطينيين وإقصائهم من الاستفادة من هذا النظام. ولا يبدو هذا المسار مجرد خلل تقني أو انحياز عابر، بل يعكس بنية اقتصادية متكاملة تقوم على تعظيم الأرباح من خلال المحتوى الأكثر إثارة للجدل والتفاعل، حتى وإن كان مرتبطاً بالتحريض أو العنف أو الترويج للاستيطان.

في هذا الإطار، خلص تقرير استقصائي حديث صادر عن مركز "حملة" إلى أن شركة "ميتا"، المالكة لمنصتي "فيسبوك" و"إنستغرام"، لا تكتفي بعدم كبح المحتوى التحريضي، بل تسهم فعلياً في تمويله من خلال منظومة تحقيق الدخل التي تعتمدها، في وقت يُحرم فيه الفلسطينيون بشكل شبه كامل من المشاركة في هذا الاقتصاد الرقمي.

ويستند نموذج "ميتا" الربحي إلى توزيع عائدات الإعلانات على صُنّاع المحتوى وفق معايير ترتبط بحجم التفاعل وعدد المشاهدات ومدة بقاء المستخدمين على المنصة. وخلال عام 2024 فقط، دفعت الشركة نحو ملياري دولار للمستخدمين ضمن هذه البرامج، ما يعكس حجم العائدات التي يدرّها هذا النموذج، ويؤكد اتساع نطاق الاقتصاد الرقمي الذي تديره.

غير أن التقرير، الذي حمل عنوان "تسييل الاحتلال: كيف تمكّن ميتا مالياً نشاط الاستيطان والخطاب العنيف ضد الفلسطينيين"، يوضح أن هذه الآلية التي يُفترض أن تكون محايدة، تتحول عملياً إلى أداة تحفيز للمحتوى الأكثر إثارة، بما في ذلك المحتوى التحريضي، إذ يحقق هذا النوع من المنشورات نسب تفاعل أعلى، وبالتالي عوائد مالية أكبر.

ووفق ما وثّقه التقرير، فإن عدداً من الصفحات والحسابات المرتبطة بالمشروع الاستيطاني في "إسرائيل" تحقق دخلاً مباشراً عبر هذه البرامج. ومن بين أبرز الأمثلة صفحة مرتبطة بمجموعة "شبيبة التلال"، وهي من المجموعات الاستيطانية المتطرفة المعروفة بتنفيذ اعتداءات بحق الفلسطينيين، شملت إحراق منازل وتخريب ممتلكات والاعتداء على القرى. وعلى الرغم من هذا السجل، أظهرت البيانات إدراج الصفحة ضمن برنامج تحقيق الدخل في أواخر عام 2024، واستمرارها في تحقيق أرباح خلال فترة شهدت تصاعداً ملحوظاً في عنف المستوطنين. ولا يقتصر نشاط هذه الصفحة على توثيق الواقع، بل يمتد إلى الترويج لإقامة بؤر استيطانية جديدة على أراضٍ فلسطينية خاصة، ما يعني أن المحتوى لا يعكس الواقع فحسب، بل يسهم في تسويقه وتعزيزه.

كما رصد التقرير استفادة حسابات فردية لشخصيات يمينية متطرفة من هذه المنظومة، من بينها حساب توم نيساني، الذي يقود منظمة تدعو إلى فرض السيطرة "الإسرائيلية" على المسجد الأقصى وإقامة "الهيكل" مكانه. ويقوم نيساني بنشر محتوى يتضمن دعوات صريحة لاقتحام المسجد الأقصى، إلى جانب الترويج لمشاريع استيطانية وخطابات تدعو إلى الترحيل. ورغم الطابع التحريضي الواضح لهذا المحتوى، تشير البيانات إلى إدراج حسابه ضمن برامج تحقيق الدخل، بما يتيح له تحقيق أرباح مالية من هذا النشاط.

وفي نموذج آخر، وثّق التقرير حساب المستوطن يشورون بارتوف، المقيم في مستوطنة "ميفو دوتان" شمال الضفة الغربية، والذي يروج لما يسميه جولات "سياحية" داخل الأراضي المحتلة. ويعمد بارتوف إلى إعادة صياغة الجغرافيا الفلسطينية باستخدام تسميات توراتية مثل "يهودا والسامرة"، ويبرر اعتداءات المستوطنين بوصفها "دفاعاً عن النفس". وقد أُدرج حسابه ضمن برنامج تحقيق الدخل، ما يحول هذا النشاط إلى نموذج اقتصادي قائم على تسويق الاستيطان ذاته.

وفي قطاع غزة، أشار التقرير إلى حالة المستوطن بنحاسي بار-أون، الذي ينشر محتوى من داخل القطاع خلال مشاركته في العدوان، ويُظهر اعتزازه بالدمار الناتج عنه. ويُصنف هذا النوع من المحتوى ضمن تمجيد العنف، إلا أن ذلك لم يمنع إدراج حسابه ضمن برنامج تحقيق الدخل في نهاية عام 2025، ما يثير تساؤلات حول معايير "ميتا" في تقييم المحتوى المؤهل للربح.

كما تناول التقرير حساب تيران زيتونا، المرتبط بحزب "عوتسما يهوديت" اليميني المتطرف، والذي ينشر محتوى يتضمن دعوات لتشديد العقوبات على الفلسطينيين، بما في ذلك الدعوة إلى الإعدام، إلى جانب خطاب عنصري مباشر. ورغم ذلك، أُدرج حسابه ضمن برامج تحقيق الدخل مطلع عام 2026، في مؤشر إضافي على اتساع نطاق المحتوى التحريضي الذي يحظى بدعم مالي عبر المنصة.

في المقابل، يكشف التقرير عن سياسة إقصاء ممنهجة تستهدف الفلسطينيين، حيث لا تُدرج فلسطين ضمن الدول المؤهلة للاستفادة من برامج تحقيق الدخل، ما يحرم صُنّاع المحتوى الفلسطينيين، بمن فيهم الصحفيون والمؤسسات الإعلامية، من الوصول إلى هذه الموارد المالية. ويترافق ذلك مع إجراءات رقابية مشددة، تشمل حذف المحتوى، وإغلاق الحسابات، وتقليص الوصول، لا سيما عندما يتعلق المحتوى بتوثيق الانتهاكات أو التعبير السياسي.

كما أشار التقرير إلى وجود تفاوت واضح في التعامل مع المحتوى تبعاً للغة، إذ يخضع المحتوى الفلسطيني لرقابة مكثفة، في حين لا يحظى المحتوى العبري، بما في ذلك المحتوى التحريضي، بمستوى مماثل من التدقيق أو الإزالة.

وتأتي هذه المعطيات في سياق ميداني متصاعد، حيث شهد عام 2025 إقرار أو شرعنة 41 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، إلى جانب تسجيل 845 اعتداءً نفذها مستوطنون، بزيادة بلغت 25% مقارنة بالعام السابق، ما أدى إلى تهجير 44 تجمعاً فلسطينياً، يضم ما مجموعه 2932 شخصاً.

من الناحية القانونية، يضع التقرير هذه الممارسات في دائرة المساءلة، مستنداً إلى مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال وحقوق الإنسان، والتي تُلزم الشركات بتجنب الإسهام في الانتهاكات، خاصة في سياقات النزاعات. كما يشدد على أن الاستيطان يُصنّف كجريمة حرب بموجب القانون الدولي، وأن أي دعم مادي أو معنوي له يثير تساؤلات حول مسؤولية الجهات المنخرطة فيه.

ويحذر مركز "حملة" من أن تمويل محتوى يروّج للاستيطان أو يحرض على العنف قد يُعد شكلاً من أشكال الإسهام في هذه الانتهاكات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويخلص التقرير إلى أن ما يجري لا يمكن اختزاله في أخطاء فردية أو قصور تقني، بل يعكس نموذجاً اقتصادياً متكاملاً تتحول فيه مشاهد العنف إلى مادة رقمية، وهذه المادة إلى تفاعل، ثم إلى أرباح. وضمن هذا النموذج، لا يقتصر تهميش الفلسطينيين على الواقع الميداني، بل يمتد ليشمل إقصاءهم من الاقتصاد الرقمي الذي يُعاد من خلاله إنتاج هذا الواقع وتعزيزه.

اخبار ذات صلة