قائمة الموقع

تقرير النساء على خط العطش.. يوميات المعاناة في البحث عن الماء تحت ضغط النزوح والندرة

2026-04-21T12:27:00+03:00
وكالة شهاب

تقرير / شهاب

قبل أن يفتح النهار عينيه على الخيام المكتظة في مخيمات النزوح، تبدأ النساء يومهن بصمتٍ مُجبر، يحملن غالونات فارغة، ويمشين نحو نقاط توزيع المياه القليلة، وهنّ يعرفن مسبقاً أن الوقوف في طوابير طويلة حظّ قد لا يكون حليفهن، بين تدافع الناس وقلق: هل ستكفي شاحنة المياه للجميع.

لم يعد الحصول على المياه أمراً يُحسم بفتح "ماسورة" داخل منزل ما، بل أصبح مشهداً يومياً شاقاً يتطلب قوة جسدية، تتقدم فيه النساء الصفوف، ويتحملن العبء الأكبر في جلب المياه وتخزينها وترشيد استخدامها، سيما مع تراجع حصة الفرد إلى أقل من عشرة لترات. ولا تبدو الأزمة هنا مجرد نقص في مورد أساسي، بل واقعاً ضاغطاً يُعاد تشكيله كل يوم داخل الأسر، وتدفع النساء ثمنه جهداً وتعباً وقلقاً دائماً.

تشير البيانات السكانية إلى أن النساء يشكلن نحو مليون امرأة في قطاع غزة، يعشن في ظروف مائية دون الحد الآمن، وهو ما يضع عبء إدارة هذا النقص اليومي عليهن بشكل مباشر داخل الأسر، ويجعل النساء في مواجهة يومية مع أزمة تتجاوز كونها نقصاً في الخدمة لتصبح ضغطاً معيشياً مستمراً.

وتكشف المعايير الدولية عن فجوة كبيرة بين الواقع والاحتياج، إذ يتراوح الحد الموصى به لاستهلاك الفرد من المياه بين 50 و100 لتر يومياً، في حين تبقى الحصة الفعلية في غزة أقل بكثير من ذلك، ما يعكس حجم العجز في الإمدادات وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

ساعات طويلة

تقول فاطمة طليبة (64 عاماً) إنها تبدأ يومها منذ ساعات الفجر الأولى من أجل تأمين المياه لأحفادها الذين تعيلهم، مضيفة أنها تضطر يومياً للوقوف في طوابير طويلة لتعبئة ما بين أربعة إلى خمسة غالونات.

وتوضح فاطمة أنها تعتمد على هذه الكمية لتغطية احتياجات الشرب والاستخدام المنزلي داخل الأسرة، ما يفرض عليها تقنين الاستهلاك بشكل صارم طوال اليوم.

وتضيف فاطمة أن المياه التي تحصل عليها غير مفلترة، وأن استخدامها ارتبط بظهور مشاكل صحية لدى الأطفال، لكنها تقول إنه لا يوجد أي بديل آخر متاح أمامها سوى الاعتماد عليها بشكل كامل، في ظل استمرار صعوبة الوصول إلى مصادر مياه آمنة ومنتظمة.

في حين تقول سارة أبو العوف (52 عاماً) إنها تضطر للاستيقاظ فجراً في كل مرة تحاول فيها تأمين المياه، مضيفة أن ذلك لا يضمن حصولها على الكمية المطلوبة، إذ “كثيراً ما لا تصل شاحنات المياه إلى المنطقة، وكثيراً ما لا يصلها الدور حتى بعد ساعات طويلة من الانتظار”.

وتوضح سارة أن الوصول إلى المياه يعتمد على ظروف غير مستقرة، حيث تمر أيام تعود فيها دون تعبئة أي كمية تُذكر بسبب تأخر الشاحنات أو انتهاء التوزيع قبل وصولها. وتضيف أن حتى في الحالات التي تنجح فيها بالتعبئة، تواجه صعوبة في نقل الغالونات إلى مكان نزوحها، بسبب وزنها وبعد المسافة وغياب أي وسيلة مساعدة.

وتشير إلى أن هذه الظروف تتكرر بشكل يومي تقريباً، ما يجعل عملية الحصول على المياه مهمة مرهقة وغير مضمونة النتائج، في ظل غياب مصادر بديلة قريبة أو منتظمة.

تُجبر على التكيف

أما نهى عبد السلام (48 عاماً) فتصف معاناتها من زاوية أخرى، فتقول: إن معاناتها لا تتوقف عند صعوبة الحصول على المياه، بل تبدأ فعلياً بعد نقلها إلى الخيمة، حيث تجد نفسها مطالبة بإدارة كل احتياجات الأسرة اليومية من كمية محدودة جداً لا تكفي بالأساس.

وتوضح نهى أنها تضطر لتقسيم المياه بين الغسيل والطبخ والجلي واستحمام الأطفال، مضيفة أن كل استخدام يُحسب بدقة، لأن أي استهلاك زائد يعني نفاد المياه قبل نهاية اليوم. وتقول إن هذه الكمية لا تغطي بشكل طبيعي هذه المهام، لكنها تُجبر على التكيف معها يومياً.

وتضيف أن الضغط لا يقتصر على الجانب المعيشي فقط، إذ تتحمل أيضاً توتراً داخل الأسرة، حيث يحمّلها زوجها في بعض الأحيان مسؤولية نفاد المياه سريعاً، ما يخلق خلافات متكررة ويزيد من العبء النفسي عليها. وتشير إلى أن هذا الوضع ينعكس على علاقتها بأطفالها أيضاً، لأنها تجد نفسها مضطرة لحرمانهم من احتياجات بسيطة مثل الاستحمام الكامل أو استخدام المياه دون تقنين شديد.

يقول أشرف الكفارنة، وهو سائق شاحنة مياه، إن عملية نقل المياه تتم في ظروف خطرة، إذ يضطرون للتوجه إلى مناطق تعبئة تقع قرب أماكن تمركز قوات الاحتلال، مضيفاً أنهم يتعرضون بشكل متكرر لإطلاق نار وقذائف أثناء العمل. ويشير إلى أن الشظايا قد تصيب السائقين أو تخترق خزانات المياه، ما يجعل مهمة نقل المياه عملاً محفوفاً بالمخاطر اليومية، لا يقتصر على التعبئة والتوزيع، بل يمتد إلى احتمال الاستهداف في أي لحظة.

وبحسب تقرير لسلطة المياه الفلسطينية بعنوان: "المرأة والمياه في فلسطين: بين شح الموارد وتعزيز الصمود"، فإن تعقيدات الأزمة المائية والأعباء المتزايدة تتحملها النساء والفتيات في ظل واقع مائي هش، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والإنسانية والاقتصادية.

وبيّن التقرير أن النساء يتحملن العبء الأكبر لأزمة المياه بحكم أدوارهن الاجتماعية التقليدية، إذ تقع عليهن مسؤولية إدارة المياه داخل الأسرة، بما يشمل تأمينها وتخزينها وترشيد استخدامها لتلبية احتياجات الشرب والطهو والنظافة. وفي ظل شح المياه، تضطر العديد من النساء إلى قضاء ساعات أطول في تأمين المياه أو انتظار وصولها، ما يزيد من أعبائهن اليومية ويحدّ من فرص مشاركتهن في التعليم والعمل.

ظروف معقدة 

وكشف التقرير واقعاً شديد الخطورة، إذ دُمّر نحو 85% من منشآت المياه والصرف الصحي، وانخفضت إمدادات المياه إلى مستويات متدنية خلال فترات العدوان، قبل أن ترتفع بشكل محدود، لكنها لا تزال دون الحد الأدنى الإنساني.

وأوضح التقرير أن أغلبية الأسر تعتمد على صهاريج المياه، فيما تتفاقم معاناة النساء والفتيات نتيجة صعوبة تأمين المياه وغياب الخصوصية والخدمات الصحية، خاصة مع معاناة مئات الآلاف منهن من صعوبات في إدارة النظافة الشخصية، ما يهدد صحتهن ويعرضهن لمخاطر أمنية في ظل بيئة غير آمنة ومكتظة.

من جانبها تقول عضو المجلس البلدي فداء المدهون إن بلدية غزة تعمل في ظروف معقدة انعكست مباشرة على واقع المياه داخل المدينة، خاصة مع تزايد أعداد النازحين داخل المخيمات، حيث تؤخذ احتياجات النساء داخل هذه المخيمات بعين الاعتبار في إدارة وتوزيع المياه، باعتبارهن الأكثر تحملاً لعبء تأمين المياه داخل الخيام.

ويضيف أن البلدية شجعت الأهالي على استخدام الغواطس كحل بديل في ظل تراجع الإمدادات، إذ بلغ عددها نحو 1300 غاطس، إلى جانب تشغيل 35 بئراً للمياه. ويوضح أن هذه الإجراءات تأتي في محاولة للتخفيف من الضغط المتزايد على شبكات المياه، خصوصاً في مناطق النزوح المكتظة التي تتحمل فيها النساء العبء الأكبر في جلب المياه وتوزيعها داخل الأسر.

ويشير المدهون إلى أن كمية مياه الآبار التي تعمل حالياً مع ما يتم ضخه من مياه "ميكروت" لا تتجاوز 35 ألف كوب، وهي كمية محدودة مقارنة بما كان متاحاً قبل الحرب، حيث كانت الشبكة تستقبل نحو 100 ألف كوب يومياً، منها 70 ألف كوب من الآبار، و20 ألف كوب من "ميكروت"، و10 آلاف كوب من محطة التحلية في منطقة السودانية شمالي القطاع، والتي تعرضت للتدمير.

ويؤكد أن هذا التراجع الحاد في كميات المياه، في ظل وجود نحو مليون نازح داخل مدينة غزة، أدى إلى انخفاض حصة الفرد بشكل كبير، ما يفاقم الضغط اليومي داخل المخيمات، حيث تتحمل النساء بشكل أساسي مسؤولية إدارة هذا النقص داخل الحياة اليومية.

اخبار ذات صلة