قائمة الموقع

تقرير الكاميرا داخل المشهد.. "الاحتلال" يحوّل الانتهاكات ضد الفلسطينيين إلى مشاهد احتفاء في الفضاء الرقمي "الإسرائيلي"

2026-04-22T13:04:00+03:00
وكالة شهاب

 

تقرير / شهاب

أثارت صورة انتشرت مؤخرًا في الفضاء الإعلامي سخطًا واسعًا، ظهر فيها مستوطن بزيّ جيش الاحتلال "الإسرائيلي" وهو يقوم بالتنكيل بامرأة فلسطينية في الضفة الغربية أثناء توثيق المشهد بالكاميرا، هذه الصورة لم تُقرأ باعتبارها توثيقًا للحظة عنف فحسب، إنما كدليل إضافي على تحوّل الصورة نفسها إلى جزء من الحدث وشاهد على الانتهاك.

وكشفت الصورة عن سؤال أوسع يتجاوز تفاصيلها إلى بنيتها ووظيفتها: ماذا يحدث عندما تصبح الكاميرا أداة مشاركة في الفعل، لا وسيلة لرصده؟

ترهيب جماعي

وتشير المعطيات المتداولة في مشاهد العنف الموثّق إلى أن الكاميرا لم تعد تقف خارج الحدث مطلقًا، وإنما باتت جزءًا من إنتاجه وإعادة صياغته وتوزيعه رقميًا، إذ وثّقت مراكز حقوقية سلسلة من الاعتداءات المصوّرة، من بينها تصوير أسرى فلسطينيين وهم عراة أو أثناء تفتيشهم بطرق مهينة، إضافة إلى توثيق اعتداءات جنسية داخل السجون ومراكز الاحتجاز، كما وثّقت الأمم المتحدة حالات مشابهة، ما يعكس استخدام الصورة كوسيلة ترهيب جماعي تتجاوز الضحية الفردية إلى المجتمع بأكمله.

كما وثّقت المراكز الحقوقية حالات أُجبر فيها الأسرى على ترديد عبارات مثل "أنا أحب إسرائيل" أو "سأفعل ما يُطلب مني"، أو الظهور وهم يرقصون قسرًا أمام الكاميرا، في مشاهد تحوّل الإذلال إلى عرض ترفيهي، كما وثّقت مقاطع نشرها جنود الاحتلال "الإسرائيلي" تُظهر قصف فلسطينيين أثناء نزوحهم، أو استهدافهم في مركز توزيع المساعدات، في مشاهد تعكس ادعاء السيطرة المطلقة على الحياة والموت، ميدانيًا وبصريًا في آن واحد.

وهذه المشاهد وغيرها ضجّت بها منصات التواصل الاجتماعي خلال حرب الإبادة، حيث نشرها ناشطون رقميون "إسرائيليون" احتفاءً بالإنجازات العسكرية والميدانية لجنود الاحتلال "الإسرائيلي" عبر الفضاء الرقمي.

فيما كشف تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قيام جيش الاحتلال "الإسرائيلي" بإحضار مجموعات من المدنيين "الإسرائيليين" إلى مراكز وسجون يستخدمها لاحتجاز الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة، بهدف تمكينهم من مشاهدة جرائم التعذيب التي تُمارس بحقهم، مع السماح لعدد منهم بتصوير تلك المشاهد على هواتفهم الخاصة.

وتلقى المرصد شهادات من أسرى ومعتقلين فلسطينيين أُفرج عنهم حديثًا، أفادوا فيها بأن جنود الاحتلال "الإسرائيلي" استدعوا مدنيين "إسرائيليين" خلال جلسات التحقيق معهم لمشاهدة ما يتعرضون له من صنوف التعذيب والمعاملة غير الإنسانية، والتي كان يجري تعمّد ممارستها في حضورهم.

وبحسب الشهادات، فقد جرى احتجاز هؤلاء الأسرى لفترات متفاوتة داخل مركز احتجاز في منطقة "زيكيم" على الحدود الشمالية من قطاع غزة، إضافة إلى مركز آخر تابع لسجن "النقب" جنوبي "إسرائيل"، وذلك بعد اعتقالهم خلال عمليات التوغل البري لقوات جيش الاحتلال "الإسرائيلي" داخل القطاع.

وأوضح معتقلون أُفرج عنهم للمرصد أن جنود الاحتلال "الإسرائيليين" تعمّدوا عرضهم أمام المدنيين "الإسرائيليين"، مع الادعاء بأنهم مقاتلون يتبعون لفصائل فلسطينية، وشاركوا في الهجوم على البلدات "الإسرائيلية" المحاذية لقطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وأشار المرصد إلى أنه، وفقًا للشهادات التي جمعها، سُمح لمجموعات من المدنيين "الإسرائيليين" — يتراوح عددها بين 10 و20 شخصًا في كل مجموعة — بمشاهدة وتصوير الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وهم في حالات تجريد من الملابس، أثناء تعرضهم للضرب بالهراوات المعدنية وعصي الكهرباء، إضافة إلى صب الماء الساخن على رؤوسهم، بالتوازي مع شتائم وإهانات لفظية وتهديدات باللغة العربية.

من "الشاهد" إلى "الأداة"

وذكر المرصد الأورومتوسطي أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن هذه الممارسات، المتمثلة في تنفيذ التعذيب أمام مدنيين "إسرائيليين" والسماح لهم بتوثيقه، بينما كانوا يبدون السخرية، معتبرًا ذلك إضافة إلى سلسلة الجرائم المنسوبة لجيش الاحتلال "الإسرائيلي" بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، لا سيما ما يتعلق بالاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والحرمان من المحاكمة العادلة، والتعرض للتعذيب الوحشي.

من جانبها، ترى دكتورة الصحافة والإعلام الرقمي فداء المدهون أن التحول في وظيفة الكاميرا في حرب الإبادة "الإسرائيلية" يعكس تغيرًا جذريًا في طبيعة الصورة نفسها، إذ لم تعد الكاميرا مجرد أداة توثيق للعنف، بل أصبحت في كثير من الحالات جزءًا من بنية إنتاجه وإعادة تدويره.

وتوضح أن تصوير مشاهد الانتهاكات ثم نشرها من قبل جنود الاحتلال أو المستوطنين أو النشطاء "الإسرائيليين" والصحفيين والمدنيين "الإسرائيليين" يعكس آلية انتقال الصورة من “الشاهد” إلى “الأداة”، حيث تُستخدم الصورة لتثبيت السيطرة وإعادة إنتاجها رمزيًا ورقميًا، وليس فقط تسجيلها.

وفي ما يتعلق بدور منصات التواصل الاجتماعي، تشير المدهون إلى أن هذه المنصات لم تعد وسيطًا محايدًا لنقل المحتوى، بل أصبحت جزءًا من دورة إنتاج المعنى، خصوصًا عندما يتم تداول المقاطع ضمن سياقات احتفائية أو تبريرية.

وتؤكد أن بعض المنصات "الإسرائيلية" تحديدًا تسهم في إعادة تشكيل مشاهد الانتهاكات من خلال تقديمها كـ"إنجازات" أو "نجاحات"، ما يمنح العنف بعدًا تطبيعيًا ويحوّله إلى محتوى قابل للاستهلاك والتفاعل.

أما حول مفهوم "العنف البصري"، فتعتبر المدهون أن هذا المفهوم لم يعد نظريًا أو منفصلًا عن الواقع، بل أصبح امتدادًا مباشرًا للعنف الميداني، خاصة عندما يتم توثيق الانتهاك ذاته وإعادة بثه.

وتوضح أن العنف هنا لا يتوقف عند الفعل المادي، بل يمتد إلى الصورة التي تعيد إنتاج الأثر النفسي والسياسي للعنف، ما يجعل البعد البصري جزءًا من بنية الإيذاء وليس مجرد انعكاس له.

وفيما يتعلق بتأثير هذه المقاطع على الوعي الجمعي الفلسطيني، تشير المدهون إلى أن تداول مشاهد الانتهاك بشكل متكرر يخلق حالة من الصدمة المستمرة، لكنه في الوقت ذاته يعزز الإحساس بالتهديد الجماعي ويعمّق الشعور بانكشاف الجسد الفلسطيني أمام آلة العنف. وتؤكد أن هذا النوع من المحتوى لا يمر كخبر عابر، بل يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا ممتدًا داخل المجتمع.

وبخصوص نشر المقاطع بوصفها "إنجازات" أو "نجاحات عسكرية"، توضح د. فداء أن هذا التوصيف يعكس تحولًا خطيرًا في الخطاب الرقمي، حيث يتم تحويل مشاهد العنف إلى مادة للتفاخر وإعادة إنتاج القوة، ما يساهم في تطبيع الفعل العنيف وإخراجه من نطاق الإدانة إلى نطاق التباهي والتداول. وترى أن هذا الاستخدام للصورة يعمّق منطق القوة الرمزية ويعيد تشكيل العلاقة بين العنف والشرعية في الفضاء الرقمي.

في السياق نفسه، كشف تقرير صادر عن مركز حملة الفلسطيني أن الكاميرا لم تعد مجرد أداة لتوثيق العنف والانتهاكات بحق الفلسطينيين، بل تحوّلت إلى "وسيلة فعلية لإنتاجها وتوسيع أثرها".

"غنائم حرب رقمية"

وأوضح التقرير أنه منذ بدء العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، جرى توثيق نمط متصاعد من تصوير الاعتداءات على الفلسطينيين، بدءًا من الاعتقال والتعذيب وصولًا إلى القتل، مع نشر هذه المشاهد على منصات التواصل الاجتماعي بوصفها مواد للتفاخر والتداول، بما يحوّل الجسد الفلسطيني إلى مادة بصرية تُستخدم للإذلال والسيطرة داخل الميدان وخارجه.

وبيّن التقرير، الذي حمل عنوان "من الصورة إلى الجسد: العنف البصري كأداة للإذلال والسيطرة على الشباب الفلسطيني"، أن هذه الممارسات تندرج ضمن إطار بنيوي أوسع، حيث لم تعد الصورة انعكاسًا للعنف فحسب، بل أداة مباشرة لإنتاجه.

وأشار إلى أن المقاطع المصوّرة لا تُنشر بهدف التوثيق أو المساءلة، بل تُعرض باعتبارها "غنائم حرب رقمية"، تُستخدم للتفاخر والإذلال، وتحظى بتفاعل من مستخدمين "إسرائيليين"، ما يعزز تحويل العنف إلى حالة من "الفرجة".

وأشار التقرير إلى أن تصوير الفلسطينيين لا يقتصر على توثيق الانتهاكات، بل يعيد تشكيل الجسد ضمن منظومة الهيمنة، حيث تُظهر الصور والمقاطع أسرى معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي ومجبرين على الانحناء أو الركوع أو الاستلقاء، في وضعيات تُنتج ما وصفه بـ"الجسد المُخضع"، أي جسد بلا هوية أو صوت، يُختزل إلى موضوع بصري خاضع للمراقبة.

اخبار ذات صلة