ما يجري اليوم في الضفة الغربية من سرقة ممنهجة للمواشي ليس حادثا عارضا او انفلاتا يمكن احتواؤه بتقرير او شكوى، بل هو امتداد مباشر لمنطق استعماري قديم يعيد تعريف الملكية والوجود معا، حيث تتحول الاغنام من مورد رزق الى اداة سياسية، ويصبح غياب سجلات دقيقة او ارقام تعريفية للمواشي مدخلا لاقتلاع انسان من ارضه، لا لسرقة ممتلكاته فقط، بل لمحو علاقته التاريخية بها، وفي هذا السياق تبدو الارقام التي وثقتها المنظمات الحقوقية حول سرقة حوالي أربعة عشر الف راس خلال عام ونيف، مجرد مؤشرات اولية على حجم عملية اعادة التشكيل القسري للحيز الريفي الفلسطيني.
تتراكم الوقائع على نحو يفضح خللا اعمق من سرقة مواش او قصور اجراءات، فالمشهد في الضفة الغربية يكشف كيف يمكن لتفصيل تقني صغير ان يتحول الى رافعة سياسية ثقيلة حين يغيب، وكيف يصبح راس الغنم نقطة تماس بين اقتصاد هش واحتلال يعرف تماما اين تضرب، في سياق يتكامل فيه عنف المستوطنين مع بنية قانونية منحازة، لا ترى في الضحية سوى مشتبه به يطلب منه اثبات ما لا يملك ادوات اثباته، او دفعه للرحيل.
في قلب هذه المعادلة يقف مشروع الترقيم الوطني الذي اطلق قبل اكثر خمسة عشر عاما بتمويل اوروبي، بوصفه فرصة ضائعة تكاد تختصر القصة، فلو وجد نظام ترقيم والذي وفق المعايير العالمية يمنح كل راس ماشية رقما فريدا مرتبطا بسجل رقمي تفصيلي، لامتلك المزارع اليوم اداة صلبة لا تقبل المساومة، سواء امام محاكم الاحتلال او اي جهة دولية، فنظم التتبع لم تعد ترفا إداريا، بل جزء من منظومة السيادة الغذائية والقانونية، من الاتحاد الاوروبي الذي طور قواعد صارمة بعد ازمات صحية كبرى، الى استراليا ونيوزيلندا حيث اصبح الترقيم مدخلا لتعزيز القيمة السوقية والشفافية، وصولا الى دول نامية اعتمدت حلولا منخفضة التكلفة لحماية المزارعين.
غيابه في الحالة الفلسطينية لا ينتج فراغا فقط، بل يغلق مسارا دوليا يفترض انه ملاذ اخير، فالمحاكم الدولية وعلى اختلافها، لا تبني احكامها على الروايات، بل على الأدلة، وحين يعجز المزارع عن تقديم ما يثبت ملكيته لراس بعينه، تتحول قضيته من انتهاك واضح الى ملف ضعيف قانونيا، مهما كانت الوقائع دامغة، وهنا المفارقة القاسية، نظام قانوني منحاز يضيّق عليه محليا، وغياب الادلة يغلق امامه الباب دوليا، فيجد نفسه عالقا بين منظومتين لا تعترفان الا بما هو موثق، والتوثيق غائب.
ابعاد ذلك تتجاوز الادارة الى السياسة، فتعطيل المشروع لا يمكن تفسيره بسهولة باعتباره اجراء عاديا او مجرد خلل بيروقراطي، معلوم ان ضعف الاستمرارية المؤسسية وتبدل الاولويات وغياب المتابعة عوامل معروفة في بيئات تعتمد على التمويل الخارجي، فقطاع الثروة الحيوانية يقع على هامش الاهتمام رغم مركزيته في الامن الغذائي، لكن حجم الخسارة الناتجة عن غياب الترقيم وتوقيته المتزامن مع تصاعد الاستيطان، يفتح الباب امام اسئلة اكثر حساسية حول ما اذا كان ذلك نتيجة خلل مؤسسي ام تحت ضغط سياسي لا يرغب في انتاج ادوات توثيق تعزز قدرة الفلسطيني على المواجهة القانونية.
النتائج على الارض واضحة، سرقات واسعة النطاق خلال فترة قصيرة، نقل منظم للمواشي المسروقة لقطع الاثر، تضييق وتهجير متسارع لتجمعات بدوية، يخدم هدفا استراتيجيا يتمثل في السيطرة واعادة رسم الخريطة الديمغرافية، وفي ظل هذا الواقع لا يعود الحديث عن خسارة اقتصادية، بل عن تفكيك نمط حياة، فتتحول الماشية من مصدر رزق الى خط دفاع اول، وبسقوطه يسقط ما بعده.
الترقيم اليوم ليس ترفا ولا استجابة متأخرة، بل ضرورة سياسية وقانونية عاجلة، تتطلب بناء نظام وطني مرن وقابل للتطبيق في بيئة مقيدة، يجمع بين الوسوم الالكترونية منخفضة الكلفة وقاعدة بيانات مركزية قابلة للاستخدام القضائي، مع اشراك المجتمع المحلي في عملية التوثيق لضمان الاستمرارية، وربطه بمسار قانوني دولي منظم يراكم الأدلة، بدلا من تقديم شكاوى متفرقة، الى جانب بناء شبكات حماية اقتصادية للمزارع تمنع انهياره.
القضية في جوهرها اختبار لقدرة المؤسسات الوطنية على تحويل التفاصيل التقنية الى ادوات بقاء، فحين يمتلك كل راس ماشية رقما وسجلا، لا يعود مجرد كائن يمكن ان يختفي في ليلة، بل يصبح وثيقة حية، شاهدا امام اي محكمة، وهذا بالضبط ما يجعل السؤال حول الترقيم الوطني يتجاوز حدود الادارة الى ما هو ابعد، لان ما يغيب هنا ليس مجرد نظام ترقيم، بل احد الشروط الاساسية لإثبات الوجود نفسه.