قائمة الموقع

إسلام آباد: حسم مصير الحرب

2026-04-26T09:43:00+03:00
شهاب

جلس نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس وعدد من كبار المسؤولين في مواجهة وفد إيراني يتقدمه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في الثاني عشر من أبريل 2026، حيث كانت تلك اللحظة الأكثر مباشرة في تاريخ الاتصال الأمريكي-الإيراني منذ الثورة الإسلامية عام 1979، واحد وعشرون ساعة من التفاوض المكثف، ثم انتهت الجلسة بلا اتفاق.

يمكن فهم ما جرى في باكستان بأنه ليس مجرد تفاوض دبلوماسي عادي، إنما محاولة لإيقاف دائم لحرب فعلية اندلعت في فبراير 2026 حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على إيران مستهدفةً برنامجها النووي والصاروخي وجزء من قيادتها السياسية في آنٍ واحد، حيث تقف المنطقة اليوم على حافة حرب شاملة أو بداية تسوية تاريخية — والفارق بين الاحتمالين يقاس بساعات.

من الرسالة إلى الحرب:

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالةً إلى المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يطرح فيها استئناف المفاوضات النووية مع تحذير صريح: القبول أو مواجهة عواقب عسكرية خطيرة، وقد بدأت جولات تفاوض غير مباشرة عبر عُمان ثم روما، لكنها تعثرت، ثم انتقل التوتر من الدبلوماسية للميدان في فبراير 2026 حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مباشرة على إيران، واغتالتا المرشد خامنئي وعدداً من القيادات البارزة، لترد طهران بإغلاق مضيق هرمز وتصعيد واسع عبر وكلائها في المنطقة، المشهد الذي كان يبدو مستحيلاً بات واقعًا: مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وايران من جهةٍ أخرى حيث قلب الشرق الأوسط.

الوسيط الذي لا بديل عنه

في هذا السياق، برزت باكستان وسيطًا محوريًا، ففي الخامس والعشرين من مارس 2026، نقل مسؤولون باكستانيون إلى طهران مقترحًا أمريكيًا من عدة نقاط، شملت وقف البرنامج النووي الإيراني وتقليص الصواريخ الباليستية وإعادة فتح مضيق هرمز وتقييد دعم إيران للفصائل المسلحة، مقابل رفع العقوبات، لترفض إيران المقترح، وترد بعرض مضادّ من نقاط أخرى طالبت فيها بوقف الضربات الأمريكية و"الإسرائيلية" وضمانات أمنية وتعويضات ومسألة السيادة على هرمز، لكن الرفض الأمريكي كان سيد الموقف أيضًا، وفي السابع من أبريل، أُعلن عن هدنة مؤقتة، تفاوض عليها رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير مع فانس ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ثم جاءت جلسة الثاني عشر من أبريل في إسلام آباد — أطول وأعلى مستوىً من أي اتصال مباشر منذ 1979 — لتنتهي دون نتيجة.

ما الذي يريده كل طرف فعلًا؟

الموقف الأمريكي: الصفر النووي أو اللا شيء

الموقف الأمريكي يرتكز على مطلب جوهري واحد: التزام إيراني حاسم بعدم امتلاك السلاح النووي، ليس فقط كإعلان بل من خلال التخلي عن كل الأدوات التقنية التي تُمكّن من تطوير سلاح سريعًا، حيث صرّح فانس صراحةً: (نحتاج التزامًا حازمًا بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي ولا السعي للحصول على الأدوات التي تتيح تحقيقه بسرعة).

لكن الأمريكيين يواجهون إشكاليتين هنا: الأولى أنهم انسحبوا عام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفهم أوباما بعد سنوات من التفاوض، مما جعل أي ضمان أمريكي مشكوكًا فيه من المنظور الإيراني، والثانية أن الوفد الأمريكي يفتقر وفق تقييمات خبراء الدبلوماسية إلى الخبرة التقنية التي يمتلكها نظيره الإيراني المخضرم.

الموقف الإيراني: الضمانات قبل التنازلات

طهران تدخل المفاوضات من موقع (الثقة العميقة) كما وصفها وزير خارجيتها عراقجي، حيث إن المطلب الجوهري الإيراني ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل ضمانات راسخة بعدم تجدد الهجوم، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على مضيق هرمز، وإدراج ملف لبنان وحزب الله في أي اتفاق شامل، وهو ما رضخت له الولايات المتحدة ضاغطةً على "اسرائيل" بوقف ضرباتها ضد حزب الله في لبنان، ما يرسخ معادلة التدخل المباشر من حلفاء ايران حال دخولها في مواجهة مع الولايات المتحدة او اسرائيل، كما يربط المصير الايراني بحلفاءها، ما يعقد المشهد بالنسبة لـ "اسرائيل".

في الملف النووي، تقول طهران أن حق التخصيب غير قابل للتفاوض من حيث المبدأ، وإن كانت تقبل نقاش الكميات والمستويات، حيث رفضت بشكل قاطع نقل مخزون اليورانيوم إلى الخارج، معلنةً أنه لن يُنقل إلى أي مكان تحت أي ظرف.

التوترات التي تُعقّد المشهد:

الهدنة الهشة التي أُعلنت في أبريل اهتزّت باتهامات متبادلة: واشنطن أقامت حصارًا بحريًا على إيران منذ الثالث عشر من أبريل، فيما اتهمت واشنطن طهران بخرق الهدنة بعد إطلاق زوارق حرس الثوري النار على سفن تجارية، فيما استمرت إسرائيل في ضرباتها على لبنان خارج نطاق الاتفاق، وهو ما رفضته طهران كليًا، كما ذكر سابقًا.

باكستان في دور لم تنتظره:

ثمة مفارقة لافتة في الدولة التي تولت الوساطة في أخطر أزمة بالمنطقة منذ عقود حيث إنها ليست قوة دبلوماسية تقليدية كبرى؛ فباكستان باتت في هذا الدور لأسباب متقاطعة ومنها: علاقاتها مع الجانبين، وموقعها الجغرافي المحاذي لإيران، وثقلها الإسلامي الذي يمنحها قبولًا في طهران، فضلًا عن مصلحتها المباشرة في وقف حرب تداعياتها الاقتصادية والأمنية تصل إلى حدودها.

حيث أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن بلاده ستواصل تيسير الحوار بين الطرفين، وإسلام آباد تُجهّز لجولة ثانية من المحادثات، لكن الموقف الإيراني الأخير بالامتناع عن إرسال مفاوضين يلقي ظلالًا من الشك على قدرة باكستان على إبقاء الطرفين على الطاولة.

الرهانات الحقيقية:

اولًا: مضيق هرمز — شريان الاقتصاد العالمي رهينةً

لا يمكن اعتبار إغلاق مضيق هرمز بورقة ضغط إيرانية عادية بل إنه تهديد مباشر لـ20% من إمدادات النفط العالمية، حيث إن كل يوم إغلاق يرفع أسعار الطاقة عالميًا ويضغط على اقتصادات الدول المستوردة، كما أن رفض ترمب لفك الحصار عن إيران قبل الاتفاق يعقد المشهد، فيما تربطه إيران بشروطها الشاملة، هذا الخلاف وحده كفيل بأن يُعيق أي تقدم فعلي.

ثانيًا: البرنامج النووي — حقيقة لا يمكن تجاهلها

أبلغت وكالة الطاقة الذرية الدولية في ديسمبر 2024 عن تخصيب إيراني بمستويات مقاربة لدرجة الأسلحة، مع احتياطيات غير مسبوقة من اليورانيوم عالي التخصيب، هذه ليست مخاوف نظرية بل باتت إيران تقف على عتبة القدرة النووية عمليًا حسب الوكالة، ولا ينظر للمفاوضات بالمعنى الحقيقي إلا إن عالجت هذه الحقيقة بجدية وآليات تحقق صارمة.

السيناريوهات:

السيناريو الأول: الاتفاق المرحلي

تتراجع طهران عن شرط “كل شيء أو لا شيء” وتقبل بصيغة مرحلية: وقف دائم لإطلاق النار أولًا، تخفيف للعقوبات، وافتتاح مسار تفاوضي ممتد للبرنامج النووي قد يمتد لشهور أو سنوات، حيث إن نموذج 2015 — رغم عيوبه — يبقى المرجع الأكثر واقعية لما يمكن تحقيقه، هذا السيناريو يتطلب أن تتخلى واشنطن عن مطلب الصفر النووي الفوري، وأن تتخلى طهران عن شرط الضمانات أولًا قبل أي تنازل.

السيناريو الثاني: انهيار الهدنة وعودة الحرب

تنقضي الهدنة دون اتفاق وتستأنف الضربات، حيث كرر ترامب التهديد بشن ضربات على محطات الكهرباء ومنشآت النفط ومحطات تحلية المياه الإيرانية، كما أن التهديد الإيراني بتجديد إغلاق هرمز وتصعيد وكلائها، ينذر بنذير سلبي، حيث يحمل هذا السيناريو، دخول المنطقة في حرب استنزاف طويلة لا يعرف أحد متى وكيف تنتهي، مع تداعيات اقتصادية عالمية حادة.

الخاتمة:

تعتبر المفاوضات الجارية في باكستان الأكثر تعقيدًا في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية، ليس لأنها تتعلق بالنووي فحسب، بل لأنها تجري في ظل حرب فعلية وهدنة هشة، وبعد اغتيال المرشد الأعلى، وفي سياق يعيد رسم النفوذ الإقليمي من الأساس.

 

اخبار ذات صلة