قائمة الموقع

بين الكوميديا والواقع الثقيل.. "كنتاكي غزة" يعيد تعريف الحصار في قطاع غزة

2026-04-28T09:42:00+03:00
وكالة شهاب

نجح المخرج الفلسطيني عمر رمال في تحويل رغبة يومية بسيطة، تتمثل بالحصول على وجبة دجاج، إلى سؤال سياسي عميق يكشف طبيعة الحصار المفروض على قطاع غزة، وذلك من خلال فيلمه الروائي القصير "كنتاكي غزة"، الذي يقدم مقاربة مختلفة للواقع الفلسطيني بعيدًا عن الخطاب المباشر أو الصور التقليدية للمعاناة.

ولا يبدأ الفيلم من مشهد صدامي أو حدث مأساوي ثقيل، بل من فكرة تبدو ساخرة للوهلة الأولى: تهريب وجبات دجاج إلى غزة. غير أن هذه الفكرة سرعان ما تتحول داخل العمل إلى مدخل ذكي لقراءة واقع أكثر تعقيدًا، حيث تصبح الوجبة العادية رمزًا لما هو مفقود، وتتحول الرغبة البسيطة إلى أداة لفهم منظومة المنع والعزل والاختناق اليومي.

ويُظهر رمال، من خلال هذا البناء السردي، كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة أن تحمل دلالات سياسية كبرى، حين يصبح الوصول إلى أمر اعتيادي في أي مكان آخر، مثل وجبة طعام، مهمة شاقة تستدعي التهريب والمخاطرة والانتظار.

لا يسعى "كنتاكي غزة" إلى تقديم تفسير شامل للحصار أو خطاب سياسي مباشر، بل يختار الاقتراب من الهامشي واليومي، ليكشف من خلاله البنية الكاملة للقيود المفروضة على الحياة داخل القطاع.

فحين تصبح وجبة دجاج غير متاحة، لا يعود السؤال متعلقًا بالطعام فقط، بل بمعنى الحياة ذاتها، وبحق الإنسان في اختيار أبسط تفاصيل يومه دون قيد أو إذلال.

ويعتمد الفيلم على هذا التحول الذكي، إذ يجعل من الرغبة البسيطة اختبارًا دائمًا لحدود الواقع، ويضع المشاهد أمام سؤال جوهري: ماذا يعني أن تُحرم من الأشياء العادية فقط لأنك تعيش في مكان محاصر؟

يتناول الفيلم فكرة التهريب ليس كمغامرة عابرة، بل كنظام حياة كامل أعاد تشكيل المكان. فمرور الدجاج عبر الأنفاق يكشف جغرافيا مقلوبة، تُدار فيها الحياة تحت الأرض بدلًا من سطحها.

ومن خلال هذا التصوير، يقدم رمال الأنفاق باعتبارها مساحة درامية تعكس اقتصادًا رماديًا وحياة استثنائية فرضتها الظروف، حيث يصبح الوصول إلى الطبيعي مشروطًا بوسائل غير طبيعية.

وفي قلب العمل، تتجسد العلاقة بين البطل "أنور" ووالده كصراع بين جيلين ورؤيتين للحياة. الأب يتمسك بفكرة الاستقرار ضمن الممكن، بينما يختار الابن الالتفاف على الواقع والبحث عن منفذ جديد.

ولا يُقدَّم هذا الخلاف كقصة أسرية تقليدية، بل كامتداد مباشر لتأثير السياسة والحصار على العلاقات الإنسانية داخل البيت الواحد، حيث تفرض الظروف خيارات لم يكن أحد يرغب بها.

ويستخدم الفيلم كوميديا خفيفة ومحسوبة، تنبع من مفارقة أن تتحول وجبة دجاج إلى عملية تهريب معقدة، إلا أن هذه الكوميديا لا تهدف إلى التخفيف من المأساة، بل إلى كشف عبثية الواقع نفسه.

فالضحك هنا ليس غاية، بل وسيلة لإدراك أن ما يبدو غير منطقي أصبح هو القاعدة اليومية.

"كنتاكي غزة" فيلم روائي قصير أُنجز عام 2025، ضمن إنتاج أردني ساهمت فيه شركة The Imaginarium Films، ويقوم ببطولته يزن النوباني في دور "أنور"، الشاب الذي يُطرد من مطعم الدجاج العائلي، فيقرر تهريب سلال كنتاكي إلى قطاع غزة المحاصر.

وحصل الفيلم على تنويه خاص وجائزة IEFTA في مهرجان ليالي فلسطين السينمائية عام 2022 عن مشروعه قبل التصوير، كما عُرض عالميًا للمرة الأولى في مهرجان كليرمون-فيران بفرنسا عام 2026، وأُدرج ضمن قائمة مهرجان تامبيري السينمائي في فنلندا للعام ذاته.

وقبل "كنتاكي غزة"، أنجز المخرج عمر رمال عددًا من الأفلام القصيرة التي تناولت القضية الفلسطينية، من أبرزها: "فاطمة"، و"حاجز"، و"المكان"، و"ضربة حرة"، إلى جانب عمله في إنتاج الإعلانات التجارية ومقاطع الفيديو الموسيقية لعدد من الفنانين.

ويؤكد الفيلم، من خلال فكرته البسيطة وبنائه الذكي، قدرة السينما الفلسطينية على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة كبرى، وعلى رواية الحصار من زاوية مختلفة تقول الكثير، من دون خطابات مباشرة.

اخبار ذات صلة