قائمة الموقع

تقرير حرب الوجود في القدس.. سياسة "الهدم الذاتي" أداة لإعادة تشكيل الهوية في المدينة

2026-04-28T13:07:00+03:00
وكالة شهاب

تقرير / شهاب

لا تنتهي مأساة المقدسيين بصدور أمر هدم من قبل شرطة الاحتلال "الإسرائيلية"، بل تبدأ عند لحظة أخرى أكثر قسوة، حين يُطلب من صاحب المنزل أن يهدم منزله بشكل ذاتي بيديه، في قهر بين خيارين كلاهما مُكلف: هدم تنفذه الجرافات الإسرائيلية بتكاليف باهظة تُفرض على صاحب المنزل، أو هدم ذاتي تحت القهر، في لحظة يُحوَّل فيها الانتماء للقدس والبيت إلى فعل إجبار على محو الهوية.

بشكلٍ يومي تتوارد الأخبار من القدس المحتلة على إجبار مقدسيين على هدم منازلهم بشكل ذاتي، في واحدٍ من أبشع الممارسات الاحتلالية بحق المقدسيين ، حيث تُهدم علاقة الإنسان بمكانه وذاكرته واستقراره اليومي، وتتحول البيوت من فضاء للحياة إلى عبء قانوني ومالي، ويُقدَّم بوصفه جورًا كإجراء تنظيمي مرتبط بالبناء دون ترخيص من قبل الاحتلال، بينما هو تكريس لمزيد من سياسات التهجير والعقاب للوجود الفلسطيني في القدس.

تحت ضغط الغرامات

من جانبه يقول المقدسي وسيم لطفي صيام، الذي أُجبر على هدم منزله في حي وادي حلوة ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، إن لحظة الهدم لم تبدأ بالجرافات، بل بدأت حين وصل قرار الهدم النهائي من بلدية الاحتلال، ومنحه مهلة لا تتجاوز 21 يومًا ليقرر شكل النهاية.

اضطر صيام إلى تنفيذ عملية الهدم ذاتيًا لمنزله ومنزل والدته، بعد أن جبرته سلطات الاحتلال الإسرائيلي على ذلك، في واحدة من أكثر الممارسات قسوة التي تتكرر في القدس المحتلة، حيث يتحول صاحب البيت إلى منفّذ مباشر لهدم مسكنه بيده، تحت ضغط التكاليف الباهظة أو الغرامات التي تُفرض في حال تنفيذ الهدم عبر آليات بلدية الاحتلال.

ويقول صيام إن المنزل الذي هُدم يعود بناؤه إلى نحو 20 عامًا، وتبلغ مساحته حوالي 140 مترًا مربعًا، ويضم شقتين سكنيتين؛ كانت إحداهما تؤوي عائلته، بينما تسكن الأخرى والدته، ولم يكن البيت مجرد جدران، بل مساحة حياة امتدت لعقود، قبل أن يتحول إلى ملف قانوني مغلق بقرار إداري.

ويقول صيام إنه حاول اللجوء إلى المحكمة في محاولة لوقف القرار أو تجميده، إلا أن جهوده لم تنجح، ليجد نفسه أمام خيار هدم منزله حتى لا يُهدم بتكاليف باهظة قد تصل إلى مئات آلاف الشواقل، سيما وأنه مطالب بدفع مخالفات مالية فُرضت عليه وصلت إلى نحو 200 ألف شيقل.

في حين يقول المقدسي سامي الهشلمون الأيوبي، والذي أُجبر على هدم منزله في حي الصوانة بمدينة القدس، إن قرار الهدم لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة سلسلة طويلة من الضغوط المالية والإدارية التي بدأت منذ لحظة البناء عام 2016، حين شُيّد المنزل بمساحة تقارب 70 مترًا مربعًا.

ويضيف الأيوبي أنه واجه منذ سنوات مطالبات مالية مرتفعة من بلدية الاحتلال للحصول على الترخيص، لم يتمكن من سدادها، إلى جانب فرض مخالفات شهرية بلغت نحو 700 شيقل استمرت لثلاث سنوات متتالية، قبل أن يصدر بحقه قرار هدم نهائي، حيث اختار تنفيذ الهدم ذاتيًا تجنبًا لمواجهة التكاليف الإضافية المرتفعة في حال نُفذ الهدم عبر آليات بلدية الاحتلال.

قسوة المشهد

ويشير إلى أن قراره الصعب بهدم منزله بيده جاء أيضًا بدافع الحفاظ على ما تبقى من مبنى قديم أسفل البناء الحالي، يعود إلى منزل جده الذي شُيّد عام 1936، في محاولة لتقليل الخسائر المادية والمعنوية قدر الإمكان، رغم قسوة المشهد الذي اضطر فيه إلى تفكيك مسكنه قطعةً قطعة.

بينما أُجبر المقدسي وائل هاشم جلاجل على هدم منزله ذاتيًا في حي البستان ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، بعد تلقيه قرارًا مماثلًا من بلدية الاحتلال، وضعه أمام ذات المعادلة القاسية بين الهدم الذاتي أو تحمل تبعات مالية ثقيلة في حال تنفيذ الهدم خارجيًا.

ويقع منزل جلاجل على مساحة تبلغ نحو 140 مترًا مربعًا، ويتكوّن من شقتين سكنيتين كانت تأوي عائلة مكوّنة من 8 أفراد، وجدوا أنفسهم أمام لحظة فقدان مفاجئة للمأوى، بعد أن اضطر رب الأسرة إلى تنفيذ الهدم بيده لتجنب الغرامات المالية الباهظة التي كانت ستُفرض في حال قيام آليات البلدية بتنفيذ القرار.

تشير دراسة بحثية صادرة بعنوان "الهدم الذاتي في القدس: بين المطرقة والسندان" عن مركز القدس لحقوق الإنسان، إلى أن ما يُعرف بسياسة "الهدم الذاتي" لم يعد حالة فردية أو استثناءً محدودًا في مدينة القدس، بل أصبح نمطًا متصاعدًا في عمليات هدم المنازل الفلسطينية، بفعل منظومة قانونية وإدارية تُنتج ضغطًا مباشرًا على السكان يدفعهم إلى هدم منازلهم بأنفسهم.

وتوضح الدراسة أن هذا التحول لم يأتِ بشكل عفوي، بل ارتبط بشكل مباشر بالتعديلات التي أُدخلت على قانون التنظيم والبناء "الإسرائيلي"، والتي ساهمت في تسريع إجراءات الهدم وتقليص هامش الاعتراض القانوني، إلى جانب تضييق قدرة المحاكم على وقف أو تأجيل أوامر الهدم.

وبحسب الدراسة، فإن آلية التنفيذ الحالية تضع أصحاب المنازل أمام مهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز غالبًا 21 يومًا، يتعين خلالها إما تنفيذ الهدم ذاتيًا أو مواجهة تنفيذ مباشر من قبل آليات بلدية الاحتلال، مع تحميلهم كامل التكاليف المالية للعملية في حال التنفيذ القسري.

خيارًا إجباريًا

وتشير المعطيات الواردة في الدراسة إلى أن هذه المنظومة لا تعمل فقط عبر الأوامر الإدارية، بل عبر ضغط مركّب يجمع بين التهديد المالي (غرامات وتكاليف باهظة)، والضغط القانوني (إمكانية الملاحقة أو تراكم المخالفات)، والضغط الزمني (مهل قصيرة لا تتيح حلولًا بديلة)، ما يجعل خيار الهدم الذاتي خيارًا "إجباريًا عمليًا" وليس قرارًا حرًا.

من جانبه يؤكد خبير القانون الدولي صلاح عبد العاطي أن ما يُسمّى بـ"الهدم الذاتي" في القدس لا يمكن قراءته كإجراء إداري محايد، بل كآلية قسرية تُستخدم للالتفاف على الحظر الصريح لتدمير الممتلكات الخاصة في الإقليم المحتل، بما يجعل من هذه الممارسة انتهاكًا جسيمًا ومركّبًا في جوهره القانوني.

ويشدد عبد العاطي على أن القانون الدولي لا يجيز بأي حال فرض "الهدم الذاتي"، موضحًا أن المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر تدمير الممتلكات الخاصة إلا لضرورة عسكرية قهرية، فيما تؤكد المادة 46 من لوائح لاهاي حماية الملكية الخاصة في الأراضي المحتلة. وبناءً عليه، فإن إلزام المالك بهدم منزله لا يغيّر من الطبيعة القانونية للفعل، بل يكشف عن محاولة لنقل عبء الجريمة إلى الضحية نفسها، ما يجعلها تحايلاً على حظر قانوني قطعي.

و يوضح أن الهدم الذي يتم تحت التهديد بالغرامات أو التكاليف الباهظة أو خطر تنفيذ الهدم بالقوة لا يمكن اعتباره فعلًا طوعيًا، لأن معيار "الرضا الحر" المعتمد في القانون الدولي ينتفي في حالات الإكراه.

ويشير إلى أن وجود ضغط مالي وإداري ونفسي يجعل هذه الحالة تدخل ضمن مفهوم "الإكراه غير المباشر" أو "البيئة القسرية"، وهو ما يعني قانونيًا أن الفعل يُنسب إلى السلطة القائمة بالاحتلال ولا يعفيها من المسؤولية.

ويضيف عبد العاطي أن هذه السياسات يمكن أن تندرج ضمن نمط أوسع من التهجير القسري التدريجي، وفق المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري سواء كان مباشرًا أو غير مباشر.

ويوضح أن القانون لا يشترط استخدام القوة المادية وحدها، بل يكفي خلق ظروف معيشية لا تُحتمل، وهو ما يتحقق عبر القيود التخطيطية، وحرمان السكان من التراخيص، وفرض العقوبات المالية، ما يؤدي عمليًا إلى تفريغ سكاني تدريجي. ويرى أن هذا المسار قد يرقى إلى انتهاك جسيم، وقد يُصنّف كجريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

يشير عبد العاطى إلى أن القانون الدولي الحديث ينظر إلى المسكن باعتباره جزءًا من الكرامة الإنسانية، وأن إجبار الشخص على هدم منزله بيده يخلّف صدمة نفسية مركبة، ويؤدي إلى تفكيك الروابط الأسرية، وإلى شعور بالإذلال وفقدان السيطرة.

ويؤكد أن هذه الآثار تندرج ضمن مفهوم "المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، وقد ترتقي في حال اتساع نطاقها أو طابعها المنهجي إلى جريمة "اضطهاد" كجريمة ضد الإنسانية.

وفي توصيفه لطبيعة هذه الممارسة، يؤكد عبد العاطي أنها لا تندرج ضمن حالات فردية معزولة، بل تعكس سياسة عامة ممنهجة، تتسم بالتكرار والاستمرارية والاستهداف الجغرافي في القدس الشرقية، وترتبط بنظام تخطيطي تقييدي يحمل أبعادًا ديمغرافية ضمنية.

ويرى أن هذه المعايير تتوافق مع مفهوم "هجوم واسع النطاق أو منهجي" في القانون الجنائي الدولي، بما يفتح الباب لتكييفها كجريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية.

اخبار ذات صلة