قائمة الموقع

صناعة العملاء في غزة: دراسة تكشف دوافع التخابر وبنية الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون

2026-04-29T08:55:00+03:00
وكالة شهاب

قدّم الباحث ضياء نعيم الصفدي، في دراسة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، قراءة معمّقة لظاهرة التخابر في قطاع غزة، متجاوزاً الإطار القانوني التقليدي الذي يحصرها في توصيف الجريمة فقط، ليطرحها بوصفها ظاهرة تنمو داخل بيئة ضاغطة تفرضها الحرب. ويرى الصفدي أن الفرد قد يتحول، تحت ظروف معينة، إلى أداة تعمل ضد مجتمعه ضمن حالة من الاندماج الجزئي مع الاحتلال.

وأوضحت الدراسة أن مفهوم التجسس في صورته المعاصرة أصبح أكثر تعقيداً، إذ يقوم على علاقة تواصل واعية ومقصودة، هدفها تمكين الجهة المعادية من تحقيق أهدافها الإستراتيجية. ولا يتوقف هذا الفعل عند حدود تنفيذ مهمة محددة، بل يتحول إلى دور وظيفي يُعاد إنتاجه داخل شبكة معقدة من العلاقات الأمنية والميدانية التي تستهدف البنية التحتية للمجتمع.

وبيّنت المعطيات الواردة في الدراسة أن الحرب الأخيرة على غزة أحدثت تحولاً نوعياً في أدوار المتخابرين، بعدما انتقل نشاطهم من تزويد الاحتلال بمعلومات عامة إلى المشاركة الميدانية المباشرة. وبات هؤلاء يساهمون في رصد التحركات اللحظية وتحديد الأهداف العسكرية، بما يجعل الاختراق عمودياً يمس جوهر الفعل المقاوم، ويؤثر فيه من الداخل.

وفي تحليلها لدوافع التخابر، أشارت الدراسة إلى أن الفقر والبطالة يشكلان مدخلاً رئيسياً لعمليات الاستقطاب، حيث تُطرح الإغراءات المالية باعتبارها فرصاً نادرة داخل بيئة اقتصادية منهارة. إلا أن الأمر، بحسب الدراسة، لا يقتصر على الحاجة المادية، بل قد يتطور في بعض الحالات إلى علاقة تبادلية يحسب فيها الفرد مكاسبه مقابل ما يقدمه من خدمات أمنية.

وانتقلت الدراسة إلى الجانب النفسي، معتبرة أن الإحباط والشعور بالتهميش يوفران أرضية خصبة للاستقطاب المعادي. ولفتت إلى أن بعض الأفراد قد يجدون في التعامل مع الاحتلال وسيلة لتعويض النقص أو استعادة شعور زائف بالقدرة، وهو مسار يتشكل تدريجياً عبر تفاعل الحاجة النفسية مع العروض الخارجية.

كما تناولت الدراسة البعد الاجتماعي، مؤكدة أن التفكك الأسري وضعف الروابط المجتمعية يسهمان في زيادة هشاشة الأفراد وتقليل مناعتهم الذاتية. وشدد الصفدي على أن فهم هذه العوامل لا يعني تبرير الفعل أو منحه أي شرعية، بل يهدف إلى تفكيك الظاهرة وفهم آلياتها العميقة تمهيداً لمواجهتها.

وأبرزت الدراسة أن ضعف الوعي المعرفي والسياسي يشكل فراغاً تستغله الروايات المضللة لتشويه حقيقة العلاقة مع العدو وتسهيل عمليات التجنيد. وفي المقابل، اعتبرت أن الوازع الديني والوطني الصلب يمثل العائق الأكبر أمام تحويل الخيانة إلى صفقة تجارية، إذ يعيد تعريف الفعل باعتباره جريمة كبرى لا تقبل المساومة.

وأكدت الدراسة أن التخابر في صورته الحديثة لم يعد مجرد نقل معلومات، بل تحول إلى نمط من الاندماج الجزئي في منظومة العدو.

واستعرضت الدراسة نماذج ميدانية لمجموعات منظمة عملت مع الاحتلال، من أبرزها مجموعة (ك.ش) في مدينة رفح جنوب القطاع، والتي تضم نحو 300 عنصر. وأشارت إلى أن هذه المجموعة أنشأت نقطة اتصال ميدانية متقدمة لرصد التحركات الحدودية، وجمع بيانات دقيقة حول النشاط اليومي في تلك المنطقة الحساسة.

وفي منطقة جنوب خان يونس، وتحديداً في خزاعة وعبسان والقرارة، تنشط مجموعة (ج.أ) التي تضم قرابة 40 مسلحاً. ووفق الدراسة، تخصصت هذه المجموعة في العمل الاستخباراتي الميداني المباشر، مستفيدة من وجود عناصرها داخل النسيج الاجتماعي لبناء قاعدة بيانات تفصيلية حول تحركات الأشخاص والمقاومة.

أما في شرق مدينة غزة، فتبرز مجموعة (ر.ج) التي تتركز مهامها في المناطق الحدودية وخطوط التماس المباشرة مع الاحتلال. وتوفر هذه المجموعة معلومات ذات قيمة استخباراتية عالية، بحكم موقعها الجغرافي، ما يتيح للاحتلال قراءة آنية للميدان في مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل التكنولوجية وحدها.

وفي المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة شمال القطاع، تنشط مجموعة (أ.م) التي تستغل الاكتظاظ العمراني للتخفي والرصد. وتتولى هذه المجموعة جمع معلومات حول البنية التنظيمية والتحركات الميدانية للفاعلين المحليين، بما يخدم الأهداف الأمنية للاحتلال ويقوض حالة الثقة داخل الحاضنة الشعبية.

وحذرت الدراسة من أن الأثر الأعمق للتخابر لا يقتصر على الخسائر العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي ونشر الشك بين أفراد المجتمع. وأكدت أن فقدان الثقة المتبادلة يضعف القدرة على التماسك في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو هدف إستراتيجي يسعى الاحتلال إلى تحقيقه عبر أدوات الحرب الاستخباراتية.

وأشارت مصادر إلى أن المقاومة الفلسطينية تتابع هذه التحركات بيقظة، وقد نجحت في تصفية رؤوس قيادية لمجموعات العملاء، من بينهم ياسر أبو شباب. وتعكس هذه العمليات صراعاً مستمراً في الخفاء لحماية الجبهة الداخلية من الاختراقات التي تستهدف صمود المجتمع الفلسطيني في غزة.

وخلصت الدراسة إلى أن مواجهة التخابر تتطلب إستراتيجية شاملة لا تقتصر على الحلول القانونية والأمنية، بل تشمل بناء مناعة اجتماعية متماسكة. وأكدت أن تعزيز الوعي وترميم الروابط الوطنية يمثلان خط الدفاع الأول لمنع تحول الأفراد إلى أدوات في يد الاحتلال، في معركة تُخاض على مستوى الوعي والمعنى بقدر ما تُخاض في الميدان.

اخبار ذات صلة