كشف استطلاع حديث للرأي أجرته مؤسسة "هارفارد كابس-هاريس" عن تحولات وُصفت بالجوهرية في مواقف المجتمع الأمريكي تجاه الصراع في الشرق الأوسط، في ظل مؤشرات على تراجع التأييد التقليدي للاحتلال الإسرائيلي بين الأجيال الشابة، واتساع فجوة جيلية داخل الرأي العام الأمريكي.
وأظهر الاستطلاع، الذي شمل أكثر من 2700 ناخب مسجل، أن فئة الشباب في الولايات المتحدة تبدي تعاطفًا متزايدًا مع القضية الفلسطينية، إلى جانب مواقف مختلفة تجاه حركة "حماس"، بما يعكس تغيرًا في اتجاهات الرأي لدى الفئات العمرية الأصغر مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا.
وبيّنت النتائج وجود تباين واضح بين الشرائح العمرية، إذ تصل نسبة دعم الاحتلال إلى نحو 89% بين من تجاوزوا سن الخامسة والستين، فيما تنخفض هذه النسبة بصورة ملحوظة بين الشباب، ما يعكس اتساع الفجوة بين الأجيال في تقييم السياسات الأمريكية تجاه "إسرائيل".
وأشارت بيانات الاستطلاع إلى أن فئة الشباب هي الأكثر ميلاً للتعبير عن تعاطف مباشر مع المقاومة الفلسطينية، متجاوزة في ذلك الاصطفافات الحزبية التقليدية، سواء بين الديمقراطيين أو الجمهوريين، في دلالة على تشكل وعي سياسي جديد خارج الأطر الحزبية المعتادة.
وفي ما يتعلق بتقييم دوافع العمل المسلح، أظهر الاستطلاع اختلافًا واضحًا بين الأجيال؛ ففي حين يرى غالبية كبار السن أن حركة "حماس" منظمة إرهابية، يميل عدد من الشباب إلى اعتبار تحركاتها جزءًا من نزاع مرتبط بالحقوق التاريخية والأراضي الفلسطينية.
كما يميل قطاع واسع من الشباب إلى اعتبار أن الفصائل الفلسطينية تقاتل من أجل استرداد الحقوق أو الأراضي، في مقابل تراجع تبني الرواية الأحادية التي تفسر الصراع من منظور أمني فقط.
ويرى مراقبون أن الحراك الطلابي الواسع في الجامعات الأمريكية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي البديلة، أسهما بصورة مباشرة في إعادة تشكيل وعي شريحة واسعة من الشباب، بعيدًا عن تأثير وسائل الإعلام التقليدية.
وعلى صعيد الملفات الإقليمية، أظهر الاستطلاع انقسامًا مشابهًا بشأن التوترات مع إيران والتهديدات العسكرية في المنطقة. ورغم أن نسبة كبيرة من الأمريكيين ما تزال تعتبر طهران تهديدًا للأمن القومي، إلا أن هناك ترددًا واضحًا في منح تفويض مطلق لتنفيذ عمليات عسكرية هجومية.
وبيّنت النتائج أن قطاعًا متزايدًا من الشباب يفضل الحلول الدبلوماسية والسلمية، تجنبًا للانخراط في حروب إقليمية قد تخلّف تداعيات طويلة الأمد، وهو ما يعكس توجها جيلًا نحو تقليص سياسة التدخلات العسكرية المباشرة في الشرق الأوسط.
وفي ما يتعلق بالجبهة اللبنانية، أيدت أغلبية بلغت 81% من المشاركين التوصل إلى اتفاق سلام يضمن الاستقرار الإقليمي، مع اشتراط وجود ضمانات أمنية ونزع للسلاح بما يضمن استدامة أي اتفاق مستقبلي ينهي حالة التوتر على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.
وتضع هذه النتائج صانع القرار في واشنطن أمام تحديات متزايدة، في ظل بروز مواقف لدى الأجيال الشابة تتعارض مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية، ما قد ينعكس مستقبلًا على شكل العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة، وعلى مقاربة واشنطن للقضية الفلسطينية.