قائمة الموقع

غزة ليست بخير.. لكنها ليست مكسورة

2026-04-30T09:34:00+03:00
شهاب

في غزة، لا تبدو الحياة كما يجب أن تكون، ولا تسير وفق القواعد التي يتعلمها الناس في كتب الاستقرار أو نظريات الصحة النفسية.

هنا، تُختبر المفاهيم في أقسى صورها، ويُعاد تعريف “الطبيعي” كل يوم.

غزة ليست بخير.. وهذه ليست مبالغة، بل توصيف دقيق لحالة ممتدة من الضغط النفسي، والخسارة، والقلق المزمن.

حين يصبح صوت الانفجار جزءًا من الخلفية اليومية، وحين يعتاد الطفل على السؤال: “هل هذا قريب أم بعيد؟”، فنحن لا نتحدث عن ظرف طارئ، بل عن بيئة تُنتج توترًا مستمرًا يعيد تشكيل النفس البشرية.

لكن، وفي مقابل هذه الحقيقة الثقيلة، هناك حقيقة أخرى لا تقل وضوحًا: غزة ليست مكسورة.

الانكسار، في علم النفس، لا يعني الألم، بل يعني فقدان القدرة على الاستمرار.
وغزة، رغم كل ما تمر به، لا تزال تستمر.

الناس هنا لا يعيشون لأن الظروف تسمح، بل لأن إرادة الحياة أقوى من الظروف.

الأم التي تُخفي خوفها لتطمئن أبناءها، والأب الذي يبتسم رغم القلق، والمعلم الذي يحاول أن يشرح درسًا وسط انقطاع الكهرباء، كل هؤلاء لا يمثلون “بطولة خارقة”، بل يمثلون ما يمكن تسميته: التكيف تحت الضغط.

وهنا يجب أن نكون حذرين في الفهم.

هذا التكيف لا يعني أن الأمور بخير، ولا يعني أن الناس اعتادوا الألم بشكل صحي.

بل هو في كثير من الأحيان تكيف قسري، يدفع الإنسان إلى الاستمرار لأنه لا يملك خيارًا آخر.

وهذا النوع من التكيف له كلفة نفسية عالية.

قد يظهر في صورة صمت طويل، أو في تبلد مشاعر، أو في نوبات غضب مفاجئة، أو حتى في شعور داخلي بالإنهاك لا يجد له الإنسان تفسيرًا واضحًا.

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو تمجيد الصمود دون فهم ثمنه، أو مطالبة الناس بأن يكونوا أقوياء طوال الوقت.

الإنسان ليس آلة صبر.

ومن حقه أن يتعب، وأن يخاف، وأن ينهار أحيانًا.. دون أن يُتهم بالضعف.

وفي المقابل، من الظلم أيضًا اختزال غزة في صورة الضحية فقط.

غزة ليست مجرد مكان للألم، بل هي أيضًا مساحة للحياة، للإبداع، للعلاقات الإنسانية العميقة، ولمحاولات مستمرة لصناعة معنى وسط الفوضى.

وهنا يظهر التوازن الحقيقي في الفهم:

- غزة ليست بخير.. لأن الألم حقيقي وعميق.

- وليست مكسورة.. لأن القدرة على الاستمرار ما زالت حاضرة.

بين هاتين الحقيقتين، يجب أن نقرأ المشهد النفسي بإنصاف.

لا نُجمل الواقع فنُخفي جراحه،

ولا نُسود الصورة فنُغفل قوة الناس.

ما تحتاجه غزة ليس خطاب تمجيد، ولا خطاب شفقة، بل خطاب فهم.

فهم يُدرك أن الصمود ليس شعارًا، بل عملية نفسية معقدة، وأن الاستمرار ليس دليل عافية، بل أحيانًا دليل ضرورة.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: “هل غزة بخير؟”

ولا حتى: “هل هي مكسورة؟”

بل السؤال الأهم: كيف يمكن أن تبقى إنسانيتنا حية.. ونحن نعيش كل هذا؟

اخبار ذات صلة