كشفت تطورات داخلية في مجلة "بوليتيكو" عن أزمة مهنية متصاعدة، عقب رد إدارة المؤسسة على مخاوف صحافيين بشأن تأثير المواقف السياسية للإدارة على استقلالية التغطية الإعلامية، حيث أكد مسؤولون في الشركة الأم "أكسل شبرينغر" انحيازهم الكامل إلى جانب "إسرائيل"، مع تلويح ضمني بأن من لا ينسجم مع هذا التوجه يمكنه مغادرة المؤسسة.
وجاء ذلك خلال اجتماع عُقد يوم الاثنين الماضي بين مسؤولين تنفيذيين في "بوليتيكو" وشركتها الأم "أكسل شبرينغر"، لمناقشة رسالة احتجاج وجهها موظفون حذّروا فيها من تداخل المواقف السياسية للرئيس التنفيذي مع الخط التحريري للموقع، وما قد يترتب عليه من تأثير على الاستقلالية المهنية.
ويأتي هذا التطور بعد أن وجّه موظفو "بوليتيكو"، بمن فيهم صحافيون في أوروبا وأعضاء نقابات في الولايات المتحدة، رسالة إلى رئيس التحرير العالمي الجديد جوناثان غرينبيرغر، عبّروا فيها عن قلقهم من "استخدام الرئيس التنفيذي ماتياس دوبفنر منصة بوليتيكو لترويج أجندته السياسية"، محذرين من أن ذلك يهدد صورة المؤسسة كمصدر إعلامي مستقل.
وأشار الموظفون في رسالتهم إلى مقالتين رأي نشرهما دوبفنر مؤخراً، دعا في الأولى خلال مارس/آذار إلى دعم الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الحرب على إيران، بينما اتهم في الثانية المساعدات الأوروبية لفلسطين بأنها "تموّل الإرهاب"، واعتبر أن أوروبا تقف في "الجانب الخاطئ من التاريخ" بسبب تقييدها الدعم لـ"إسرائيل".
وخلال الاجتماع بين الإدارة والصحافيين، نقل موقع "جويش إنسيدر" أن دوبفنر عبّر عن اعتبار بعض مضامين رسالة الموظفين "مقلقة"، متعهداً "بالكتابة أكثر في المستقبل لا أقل"، ومؤكداً أن آراءه الشخصية لا تعكس الخط التحريري للمجلة ولا تؤثر عليه.
كما نقل عنه وصفه حركة حماس بأنها "منظمة إرهابية"، وتقديمه تعريفاً للصهيونية بأنها "حق "إسرائيل" في تقرير مصيرها وحقها في الوجود كملاذ آمن لليهود" الذين "كادوا ينقرضون خلال المحرقة".
وبحسب المصدر ذاته، فقد ألمح دوبفنر إلى إمكانية اتخاذ قرارات إدارية بحق موظفين لا يتوافقون مع التوجه العام للمؤسسة، مشيراً إلى أن المسألة تمس "المبادئ الأساسية" للشركة، وقد تفتح الباب أمام تقييم مدى توافق الموظفين مع قيم "أكسل شبرينغر".
في المقابل، دافع رئيس التحرير العالمي الجديد جوناثان غرينبيرغر عن استقلالية "بوليتيكو"، مؤكداً أن الرئيس التنفيذي "لن يملي عليه ما يفعل"، وأن دوره يقتصر على الدعم المؤسسي، مع الإشارة إلى الخلفية التاريخية للشركة التي تأسست على دعم تحالف الحلفاء ضد النازية، وعلى اعتبار "إسرائيل" ملاذاً آمناً لليهود.
ورغم ذلك، شدد غرينبيرغر على أن هذه الخلفيات "لا تمنع تقديم تغطية نقدية" تشمل "إسرائيل" وحلف شمال الأطلسي والسياسات التجارية، في محاولة لتأكيد الفصل بين القيم المؤسسية والتحرير الصحفي.
وتعود جذور التوتر داخل "بوليتيكو" إلى عام 2021، بعد استحواذ شركة "أكسل شبرينغر" الألمانية عليها، حيث أُثيرت مخاوف داخل غرف الأخبار من تأثير "الدستور المؤسسي" للشركة الأم على الخط التحريري، رغم إعلان الأخيرة لاحقاً أنها لن تفرض على موظفي "بوليتيكو" التوقيع على تعهد بالالتزام بقيمها.
وتُعد "أكسل شبرينغر" من أكبر دور النشر في أوروبا، وتُعرف بمواقفها الداعمة لـ"إسرائيل"، حيث نشرت إحدى افتتاحيات صحيفة "دي فيلت" التابعة لها عبارة "فليبارك الله الجيش الإسرائيلي". كما يُشار إلى أن الرئيس التنفيذي ماتياس دوبفنر حاصل على وسام شرف من "إسرائيل"، وقد وصفه رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأنه من أبرز الأصوات الأوروبية الداعمة لـ"إسرائيل" والمناهضة لمعاداة السامية.