يرى المحلل المختص بالشأن الفلسطيني محمد شاهين أن منع إسرائيل دخول قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة لا يمكن قراءته كإجراء تقني أو موقف تفاوضي عابر، بل كجزء من بنية سياسية وأمنية أوسع تقوم على تثبيت سيطرة ميدانية طويلة الأمد وإعادة تشكيل قواعد إدارة القطاع بما يخدم الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
ويشير إلى أن هذا الموقف يعكس إصراراً استراتيجياً على تكريس مفهوم "السيادة الأمنية المطلقة"، حيث لا يُسمح لأي فاعل دولي بالتحرك داخل غزة إلا ضمن محددات يضعها الاحتلال نفسه، يتم من خلالها ربط أي حضور دولي في غزة بشروط سياسية وأمنية مسبقة، على رأسها نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها العسكرية، باعتبار ذلك شرطاً لأي انسحاب أو إعادة انتشار.
ويضيف شاهين أن هذا النهج يكشف عن تحول في وظيفة القوة الدولية من كونها أداة لضبط التهدئة أو حماية المدنيين، إلى عنصر مُحتمل يُعاد إدماجه داخل المعادلة الأمنية "الإسرائيلية"، بما يفقدها صفة الحياد ويحوّلها عملياً إلى جزء من منظومة إدارة الصراع لا تسويته.
يلفت إلى أن ما يُسمى بـ”الخط الأصفر” لم يعد مجرد خط فاصل ميداني، بل تطور إلى أداة لإعادة هندسة الجغرافيا السكانية في قطاع غزة. فالتوسع التدريجي لهذا الخط، والذي وصل إلى السيطرة على نحو 60% من مساحة القطاع مع مناطق إضافية مقيدة، يعكس انتقالاً من إدارة عسكرية مؤقتة إلى ترسيم حدود وظيفية جديدة على الأرض.
ويضيف أن هذا النمط يؤدي إلى إعادة توزيع السكان قسرياً داخل شريط ساحلي مكتظ، مقابل مناطق عازلة شبه خالية تُدار أمنياً، وهو ما يخلق واقعاً شبيهاً بنظام كانتونات منفصلة، ويحد من إمكانية تشكل كيان فلسطيني متماسك جغرافياً أو سياسياً في المستقبل.
وفي ملف الحصار البحري، يشير المختص بالشأن الفلسطيني إلى أن القرصنة الإسرائيلية فى التعامل مع الأساطيل الدولية لفك الحصار عن غزة ، بما فيها "أسطول الصمود"، يعكس استخداماً ممنهجاً للقوة في إطار إدارة الحصار كأداة ضغط استراتيجية. فـ"إسرائيل" لا تنظر إلى هذه المبادرات كتحركات إنسانية، بل كتهديد مباشر لمنظومة السيطرة، حتى عندما تتم في نطاقات بحرية مثار جدل قانوني دولي.
ويؤكد أن هذا النهج يعكس رؤية أمنية تعتبر أي كسر للحصار، ولو رمزياً، محاولة لإعادة إنتاج شرعية موازية خارج المنظومة التي يفرضها الاحتلال، وهو ما يفسر التشدد في التعامل مع هذه التحركات خلال أعوام 2025 و2026، واستمرار منعها حتى عبر الوسائل العسكرية والبحرية والجوية.
كما يوضح أن مجمل السياسات "الإسرائيلية" الحالية في غزة تشير إلى انتقال من إدارة "صراع مفتوح" إلى إدارة "استقرار غير مكتمل"، أي حالة لا حرب شاملة فيها ولا سلام نهائي، بل وضعية ضغط مستمرة تُستخدم فيها الأدوات العسكرية والسياسية والإنسانية بشكل متداخل لإبقاء القطاع في حالة انضباط قسري.
ويؤكد شاهين إلى أن هذا المسار إذا استمر دون تغيير جوهري في المعادلة السياسية، فإنه سيؤدي إلى أحد مسارين: إما ترسيخ تقسيم جغرافي دائم يعيد تشكيل غزة إلى مناطق معزولة ومحدودة الحركة، أو استمرار إدارة الأزمة في شكل ضغط إنساني وأمني مزمن دون حسم نهائي.
وفي الحالتين، فإن جوهر المعادلة يبقى مرتبطاً بميزان القوة على الأرض أكثر من ارتباطه بأي مسار تفاوضي، ما يجعل مستقبل القطاع مفتوحاً على احتمالات طويلة الأمد من الاستنزاف وإعادة التشكيل، في ظل غياب تسوية سياسية متوازنة.