قائمة الموقع

تقرير قلوب الغزيين بلا نبض .. مرضى القلب في مواجهة نقص العلاج والأكسجين والتجهيزات

2026-04-30T15:06:00+03:00
وكالة شهاب

تقرير /شهاب

لا يقتصر خطر القصف والانفجارات على تهديد حياة مرضى القلب فقط، فغياب الدواء وحده يكفي لزرع الخطر الداهم في أجسادهم المنهكة، إذ يتحول تأخر العلاج أو انقطاعه إلى لحظة فارقة بين النجاة والموت في مستشفيات مستنزفة، وسط نقص حاد يضرب الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ومع تسجيل نفاد تام لأكثر من نصف قائمة الأدوية الأساسية في المستودعات المركزية، لم تعد الأزمة تقتصر على المرضى المزمنين الذين يعتمدون على جرعات منتظمة للحفاظ على استقرار حالتهم، بل امتدت إلى الحالات الطارئة التي تحتاج تدخلًا عاجلًا، مثل الجلطات القلبية، واضطرابات النبض الحادة، وقصور الشرايين، وهي حالات قد لا تحتمل ساعات من الانتظار.

مخاطر متفاقمة 

ولا تقف المعاناة عند حدود الدواء والتحويلات الطبية، إذ تتفاقم المخاوف مع أزمة حادة تهدد إمدادات الأكسجين، بعد تدمير معظم محطات الإنتاج، ما يضع المستشفيات أمام تحدٍ إضافي في التعامل مع المرضى الذين يحتاجون دعمًا تنفسيًا ورعاية مركزة.

وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن أمراض القلب تمثل أكثر من 56% من أسباب الوفيات، في ظل توقف خمسة مراكز متخصصة، وتعطل عمليات القلب المفتوح، وانعدام أدوات القسطرة القلبية والدعامات، ما ينذر بمزيد من التدهور في أوضاع المرضى.

وتتجسد ملامح الأزمة الصحية في حالة بهاء شعت، الذي أمضى شهرًا كاملًا طريح الفراش بانتظار جهاز تنظيم ضربات القلب، في ظل عدم توفره داخل القطاع.

ويعاني شعت من صعوبة شديدة في الحركة، ما يضطره إلى البقاء مستلقيًا معظم الوقت، بينما تتفاقم حالته الصحية مع استمرار تأخر التدخل الطبي اللازم.

ولا تتوقف معاناته عند غياب الجهاز المطلوب، إذ يزيد نقص الأدوية الأساسية الخاصة بأمراض القلب من تدهور وضعه الصحي، في وقت يعتمد فيه المرضى على علاج منتظم للحفاظ على استقرار النبض وضغط الدم ومنع حدوث مضاعفات خطيرة.

وفي صورة أخرى من معاناة مرضى القلب، ينتظر أشرف حويلة إجراء عملية قسطرة قلبية عاجلة، إلا أن حاجته الطبية الملحّة تصطدم بتوقف غالبية المراكز المتخصصة عن تقديم هذا النوع من التدخلات، نتيجة الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي جراء العدوان الإسرائيلي، إلى جانب النقص الحاد في الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة.

ويعيش حويلة تحت تهديد صحي مستمر، إذ إن تأخر إجراء القسطرة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، في وقت يحتاج فيه إلى تدخل سريع لتفادي تدهور حالته.

محدودة للغاية

ويصف استشاري القلب في مستشفى القدس، ماجد شناط، الواقع الصحي لمرضى القلب في غزة بأنه بالغ الخطورة، موضحًا أن القطاع كان يعاني أصلًا، حتى قبل الحرب، من نقص في المستلزمات الطبية الضرورية، لا سيما تلك الخاصة بعلاج أمراض القلب، قبل أن تتفاقم الأزمة بشكل غير مسبوق مع استمرار العدوان وتضرر المرافق الصحية.

ويشير شناط إلى أن الإمكانات المتوفرة حاليًا محدودة للغاية، إذ لا يستطيع الجهاز العامل سوى التعامل يوميًا مع أربع إلى خمس حالات فقط، وهو رقم متواضع قياسًا بحجم الاحتياج المتزايد وآلاف المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة وعلاج وتدخلات عاجلة.

من جانبه، يوضح المدير العام لوزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، أن استهداف البنية التحتية الصحية والكوادر الطبية خلال الحرب أدى إلى تفكيك النظام الصحي بصورة ممنهجة، وأفقد القطاع خبرات طبية تراكمت على مدار سنوات، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة المستشفيات في التعامل مع المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة.

ويشير البرش إلى أن مستشفيات غزة كانت تُجري قبل الحرب نحو 6600 عملية قسطرة قلبية سنويًا، فيما لم تُنفذ خلال فترة الحرب أي عملية قلب مفتوح، باستثناء عدد محدود من العمليات التي أجراها وفد طبي أجنبي، ما يكشف حجم التراجع الذي أصاب الخدمات التخصصية المرتبطة بأمراض القلب.

ويؤكد أن فقدان الكوادر المتخصصة، سواء نتيجة القتل أو النزوح، تسبب في تراجع خطير في مستوى الرعاية الصحية، لافتًا إلى أن طبيبًا واحدًا فقط يواصل حاليًا إجراء عمليات القسطرة داخل القطاع، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى المحتاجين إلى تدخلات عاجلة.

وفي ما يتعلق بسبل الحد من تفاقم الأزمة، يشدد البرش على ضرورة إدخال المستلزمات الطبية بشكل عاجل، وفي مقدمتها الدعامات وأدوات جراحة القلب، إلى جانب إعادة الكوادر الطبية التي غادرت القطاع، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لإنقاذ حياة المرضى واستعادة الحد الأدنى من الخدمة العلاجية.

ويضيف أن نحو 51% من الأدوية الأساسية باتت غير متوفرة، فيما تنعدم بشكل كامل مستلزمات أمراض القلب، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى ارتفاع أعداد الوفيات نتيجة ما وصفه بـ"الموت الصامت".

تواجه منظومة رعاية مرضى القلب في قطاع غزة أزمة مركبة لا تقتصر على نقص الأدوية أو تعطل التدخلات الجراحية، بل تمتد إلى مكوّن أساسي وحيوي داخل المستشفيات هو الأكسجين الطبي، الذي تعتمد عليه أقسام العناية المركزة والعمليات لإنقاذ الحياة في الحالات الحرجة.

وتحذر مصادر طبية من أن إمدادات الأكسجين باتت مهددة بالتوقف في ظل تدمير معظم محطات الإنتاج ومنع إدخال قطع الغيار اللازمة للصيانة، ما يضع المستشفيات أمام خطر مباشر ينعكس بشكل خاص على مرضى القلب الذين يحتاجون إلى دعم تنفسي مستمر أثناء الجلطات القلبية أو بعد العمليات أو في حالات الفشل القلبي الحاد.

وبحسب إحصاءات وزارة الصحة في غزة، كان القطاع يضم 34 محطة أكسجين قبل الحرب، إلا أن 22 منها دُمّرت خلال العمليات العسكرية، ولم يتبق سوى 12 محطة تعمل بقدرات محدودة، وسط ضغط متزايد يفوق قدرتها التشغيلية، ما يهدد بانقطاع الإمداد في أي لحظة.

على قيد الحياة

وفي السياق ذاته، يقول مدير دائرة الصيانة في وزارة الصحة، المهندس مازن العرايشة، إن محطات الأكسجين تُعد شريان الحياة لأقسام العناية المركزة والحضانات وغرف العمليات ومرضى الأمراض الصدرية والقلبية والأورام.

ويضيف أن منع إدخال قطع الغيار يهدد استمرار عمل هذه المحطات، محذرًا من أن أي توقف في الإمداد يعني فعليًا تهديد حياة المرضى الذين يعتمدون على الأكسجين بشكل مباشر للبقاء على قيد الحياة، ومن بينهم عدد كبير من مرضى القلب.

ويشير إلى أن وزارة الصحة خاطبت جهات دولية عديدة، لافتًا إلى وجود مخزون من قطع الغيار في الضفة الغربية تم تمويله مسبقًا، إلا أن إدخاله إلى غزة ما زال متعثرًا بانتظار موافقات لم تصدر حتى الآن، كما تعثرت جهود إدخال محطات أكسجين جديدة عبر منظمة الصحة العالمية بسبب القيود المفروضة على المعابر.

ويحذر العرايشة من أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط استقرار المنظومة الصحية، بل يضع مرضى القلب في مواجهة مباشرة مع خطر التدهور السريع أو الوفاة، في ظل اعتمادهم المتزايد على الأكسجين كجزء أساسي من العلاج والرعاية العاجلة.

اخبار ذات صلة