تقرير / شهاب
تحوّل قرار الذهاب إلى طبيب الأسنان في غزة من ضرورةٍ ملحّة يفرضها الألم، إلى أولويةٍ تُحكمها قدرة الغزيين على تحمّل الوجع مقابل قدرتهم المالية على دفع تكاليف العلاج. وباتت الغالبية العظمى تؤجل علاجها، أملاً في انحسار الألم أو التكيّف معه، لأن كلفة إيقافه باتت أعلى من احتمال الاستمرار فيه.
تواجه عيادات طبّ الأسنان في قطاع غزة أزمة خانقة تهدد استمرار عملها، بفعل نقص حاد في المستلزمات الطبية الأساسية نتيجة القيود الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف، ما أدى إلى إغلاق بعض العيادات واضطرار أخرى للعمل ببدائل محدودة وأقل جودة، وسط تحذيرات من توقف شبه كامل للخدمات خلال فترة قصيرة.
اختلالٍ واسع
وقد انعكس هذا النقص مباشرة على أسعار العلاج التي ارتفعت بشكل ملحوظ، في ظل اختلال واضح بين شحّ المواد وزيادة الطلب عليها، ما ضاعف الأعباء على المرضى وقلّص فرص حصولهم على العلاج المناسب، خاصة مع فقدان أو ندرة مواد أساسية مثل الحشوات، ومواد التخدير، والعجائن التجميلية، وغيرها من المستلزمات الضرورية.
ما يجعل عيادات طب الأسنان أماكن لإدارة أزمة يومية، ومؤشرًا على اختلالٍ أوسع يطال سلسلة العلاج كاملة، من المستلزمات إلى القدرة الشرائية، ومن غرفة الفحص إلى قرار المريض الأخير: العلاج الآن، أو التأجيل إلى أجلٍ غير معلوم.
تقول علياء أبو حميد "40 عاماً" إن طفلتها شيماء (15 عاماً) تعيش منذ أيام على ألمٍ لا يهدأ في أسنانها، بعدما تبيّن أنها بحاجة إلى حشوة عصب، وهي تكلفة لم تعد العائلة قادرة على توفيرها في ظل الارتفاع الكبير في أسعار العلاج داخل قطاع غزة.
وتضيف علياء، بصوتٍ يختلط فيه القلق بالعجز، أن الألم بدأ بشكل بسيط، ثم ازداد تدريجيًا حتى أصبح يمنع ابنتها من النوم أو تناول الطعام بشكل طبيعي، ما دفعها لمحاولة التعامل مع الحالة بوسائل منزلية بسيطة ومسكنات متوفرة، أملاً في تخفيف الوجع أو تأجيله إلى حين القدرة على العلاج.
وتوضح أنها لجأت إلى أكثر من طريقة شعبية متداولة، إلى جانب استخدام مسكنات خفيفة، إلا أن شيئًا من ذلك لم ينجح في إيقاف الألم الذي يشتدّ مع مرور الأيام، ليبقى الطفل عالقًا بين وجع متصاعد وعلاج مؤجل.
وتشير الأم إلى أن زيارة طبيب الأسنان كشفت أن الحل الوحيد هو إجراء حشوة عصب، لكن التكلفة التي طُلبت تفوق قدرة الأسرة المادية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار الخدمات الطبية بشكل كبير.
يؤكد فني الأسنان حازم كحيل أن قطاع طبّ الأسنان في غزة يمرّ بحالة “شلل شبه كامل” نتيجة النقص الحاد في المواد الأساسية، ما يهدد استمرارية تقديم الخدمات داخل العيادات. ويشير إلى أن هذا الواقع يفرض حاجة ملحّة لرفع القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الحيوية، وفي مقدمتها الحشوات العصبية وسوائلها الخاصة، باعتبارها من الركائز الأساسية للعمل اليومي.
تأجيل العلاج
ويوضح كحيل أن العيادات باتت تعتمد على مخزون محدود يتناقص بشكل سريع، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، مضيفًا أن بعض المواد يتم شراؤها من عيادات أُغلقت أو من موردين يحتفظون بكميات مخزّنة، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة العلاج ويدفع عددًا كبيرًا من المرضى إلى تأجيل إجراءاتهم الطبية إلا في الحالات الطارئة.
ويشير إلى أن من أبرز المواد التي شهدت قفزة حادة في الأسعار العجينة المستخدمة في تصنيع الأسنان البديلة، إذ ارتفع سعر الكيلوغرام منها إلى نحو 4000 شيقل، بعد أن كان لا يتجاوز 150 شيقلاً، أي بزيادة تفوق 25 ضعفًا، ما جعل هذا النوع من العلاج باهظ التكلفة، خصوصًا لدى المرضى الذين يحتاجون إلى تعويض أكثر من سن واحدة.
يصف طبيب الأسنان علاء مطر وضع عيادات الأسنان بأنه "سيء جدًا"، نتيجة شحّ المواد الأساسية وارتفاع أسعار الموادة المتوفرة إلى مستويات غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن مادة أخذ القياسات، التي تتكون من ثلاثة مكونات، كانت تكلف سابقًا نحو 120 شيكل، بينما قفز سعر المكوّن الواحد منها اليوم إلى نحو 1000 شيكل.
ويؤكد مطر أن ألم الأسنان من أشد الآلام التي قد يمر بها الإنسان، ما يضع الأطباء أمام مسؤولية إنسانية مضاعفة في ظل هذا الواقع.
ويضيف أن الأزمة لم تتوقف عند مواد القياس، بل امتدت لتشمل مواد تجفيف وحشو قنوات العصب، التي أصبحت نادرة وباهظة الثمن دون وجود بدائل حقيقية.
ويشير إلى أن هذه التحولات انعكست مباشرة على كلفة العلاج، إذ ارتفع سعر علاج العصب من ما بين 80 و120 شيكل سابقًا إلى نحو 300 شيكل حاليًا، فيما تضاعفت أسعار تركيبات “البورسلان” إلى مبالغ خيالية. وأمام هذا الواقع، يلجأ الأطباء إلى حلول مؤقتة للتكيف، مثل استخدام "الواكس" (الشمع) كبديل لمواد القياس الخاصة بالتركيبات، رغم كونه أقل جودة، لكنها تبقى خيارات اضطرارية تفرضها الأزمة.
مهمة قاسية
ويتابع أن توفير المواد بات مهمة قاسية، إذ قد تتوفر المادة بسعر مرتفع في يوم، ثم تختفي تمامًا في اليوم التالي، ما يضع الطبيب أمام حالة من عدم الاستقرار، دون القدرة على رفع الأسعار أكثر أو خفضها.
ويضيف مطر أن هذه الأزمة دفعت الأطباء إلى إطلاق حملات إلكترونية للتحذير من التدهور الخطير، نتيجة منع الاحتلال إدخال المواد الأساسية منذ أكثر من عامين، إلى جانب تضرر المستودعات بسبب الحرب.
كما يشير إلى وجود نقص حاد في مادة "الجبس الحراري" المستخدمة في المعامل، ما أجبر العديد منها على الإغلاق، محذرًا من توقف خدمات التركيبات بشكل كامل خلال شهرين إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن شحّ المخدر الموضعي يدفع الأطباء أحيانًا لاستخدام بدائل تُصرف من وزارة الصحة ويتم سحبها عبر محاقن عادية، وهو ما يؤثر على جودة وسلامة الخدمة. كما يشير إلى معاناة العيادات في مناطق تفتقر للبنية التحتية مثل "المواصي"، بسبب عجز أنظمة الطاقة البديلة عن تشغيل الأجهزة الطبية.
ويحذر مطر من خطر التوقف الكامل للعيادات الخاصة والحكومية في حال استمرار الأزمة، مؤكدًا أن قطاع طب الأسنان يقترب من مرحلة حرجة، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا لضمان إدخال المستلزمات الطبية بشكل منتظم وبأسعارها الطبيعية، باعتبار هذا القطاع ضرورة صحية لا تحتمل التأجيل.