خاص / شهاب
تبدو الأخبار اليومية الواردة من القدس جزءاً من مسارٍ ممتد يعيد تشكيل الحضور الفلسطيني داخل المدينة. فبين أحياء تتحرك فيها الانتهاكات ضد المقدسيين عبر المحاكم، وأخرى يتوسع فيها البناء الاستيطاني على الأرض، يظهر تباين واضح في أدوات الاستيطان والتهجير، فيما تؤكد المحصلة تراجع الوجود الفلسطيني تدريجياً داخل أحياء قائمة في قلب القدس.
وبحسب تقريرلمحافظة القدس يرصد انتهاكات الاحتلال خلال أبريل، سُجل تنفيذ 33 عملية هدم وتجريف، توزعت بين 17 عملية هدم ذاتي قسري، و13 عملية هدم نفذتها آليات الاحتلال، إضافة إلى 3 عمليات تجريف للأراضي والممتلكات، تركزت في أحياء سلوان والعيساوية وجبل المكبر وصور باهر وشعفاط والرام وحزما.
فيما وثّقتُ إصدار 65 إخطاراً وقراراً إدارياً، شملت 50 إخطاراً بوقف البناء، و8 قرارات هدم، و7 قرارات إخلاء قسري، في إطار سياسة ضغط تدريجي تهدف إلى دفع السكان نحو التهجير.
قلب القدس
في حي بطن الهوى، داخل بلدة سلوان وعلى بُعد نحو 400 متر من المسجد الأقصى، تعيش أكثر من 84 عائلة فلسطينية تحت تهديد الإخلاء منذ عام 2015، استناداً إلى قانون إسرائيلي لعام 1970 يتيح لليهود المطالبة بأملاك ما قبل 1948، ويمنع الفلسطينيين من الحق ذاته.
في المقابل، يدفع الاحتلال بشكل يومي في حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة، وعبر إجراءات عدة، نحو تغيير طابع الحي عبر مشاريع استيطانية ثابتة، أبرزها المصادقة في عام 2026 على إقامة مدرسة دينية يهودية "للحريديم" مكوّنة من 11 طابقاً على مساحة تقارب 5 دونمات، تتضمن سكناً لمئات المستوطنين في موقع يتوسط الحي.
وما يجمع بين الحيّين أنه في بطن الهوى يُعاد توزيع الملكية عبر المحاكم، وفي الشيخ جراح يُعاد تشكيل الحي عبر البناء الاستيطاني. وفي الحالتين، يتقلّص الحضور الفلسطيني داخل أحياء قائمة في قلب القدس.
من جانبه، يقول الدكتور أحمد أمارة، محامٍ في حقوق الإنسان وباحث في قانون الأراضي وتاريخ الاستيطان، إن ما يحدث في أحياء مثل سلوان والشيخ جراح لا يمكن فهمه كحالات متفرقة، بل كجزء من سياسة ممتدة لإعادة تشكيل الوجود الفلسطيني داخل المدينة.
ويشير أمارة إلى أن الأيديولوجيا الحاكمة لهذا النمط تقوم على ما يُسمّى بـ"الاستيطان في القلوب"، أي الانتقال من الاستيطان في الأطراف إلى التمركز داخل الأحياء السكنية الفلسطينية، بهدف منع أي إمكانية لتقسيم القدس مستقبلاً.
ويوضح أن هذه السياسة تُنفَّذ عبر منظومة قانونية–سياسية مركبة، تعتمد على قانون "إسرائيلي" يتيح المطالبة بأملاك ما قبل 1948، تُفعّل عبر جمعيات استيطانية تعمل داخل الأحياء الفلسطينية، وتحظى بدعم مؤسسات رسمية، بما في ذلك بلدية القدس ووزارات حكومية وجهات قانونية مختلفة.
ويضيف أن هذه الجمعيات، رغم طابعها الظاهري كمنظمات أهلية، تعمل كأذرع تنفيذية لمشروع استيطاني سياسي، مستفيدة من ثغرات قانونية وتراكمات تاريخية، بما يفضي في النهاية إلى إخلاء العائلات الفلسطينية وتحويل العقارات إلى مشاريع استيطانية داخل قلب الأحياء.
سياسة تاريخية متدرجة
وفي ما يتعلق بالأساس القانوني، يلفت أمارة إلى أن منظومة من القوانين المتداخلة—مثل قانون أملاك الغائبين وقوانين الأراضي العثمانية والبريطانية وتعديلات ما بعد 1967—تُستخدم بشكل انتقائي لإعادة تعريف الملكية ونقلها تدريجياً، بما يخدم مشروع السيطرة على الأرض.
ويؤكد أن ما يجري في الشيخ جراح وبطن الهوى وسلوان ليس معزولاً، بل جزء من سياسة تاريخية متدرجة، انتقلت من الاستيطان في الأطراف بعد 1967، إلى الاستيطان داخل المدن بعد أوسلو، وصولاً إلى ما يُعرف اليوم بالاستيطان داخل الأحياء السكنية الفلسطينية.
ويرى أمارة أن الأدوات القانونية الفلسطينية، رغم استمرار استخدامها، تبقى محدودة الفاعلية في مواجهة هذه المنظومة، إذ تُدار غالباً ضمن بيئة قضائية تميل إلى دعم البنية القانونية القائمة، مع تسجيل بعض النجاحات الجزئية المرتبطة بجمع الأدلة التاريخية من الأرشيفات العثمانية والبريطانية.
ويخلص إلى أن هذه السياسات، وفق القانون الدولي، تندرج ضمن ممارسات غير قانونية في أرض محتلة، وتشكل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة، خاصة ما يتعلق بمصادرة الممتلكات ونقل السكان وتغيير التركيبة الديمغرافية للمدينة.
في حين ينقل الباحث المقدسي وعضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان، فخري أبو دياب، صورة ميدانية مباشرة لما يجري في أحياء القدس، مؤكداً أن ما يحدث لا يمكن فصله عن مسار متدرج يهدف إلى تغيير البنية السكانية والجغرافية للمدينة، عبر أدوات الهدم والإخلاء والاستيطان داخل قلب الأحياء السكنية.
ويشير أبو دياب إلى أن حي بطن الهوى في سلوان يشهد واحدة من أكثر عمليات الاستهداف كثافة، حيث تم الاستيلاء حتى الآن على نحو 23 منزلاً، فيما تواجه 76 شقة أخرى خطر الإخلاء الفوري، في وقت تعيش فيه عائلات تحت تهديد دائم بفقدان منازلها لصالح مستوطنين جرى تثبيتهم داخل الحي بالقوة.
ويؤكد أن ما يُطرح في المحاكم تحت عنوان "نزاعات ملكية" لا يعكس جوهر القضية، إذ يدور في حقيقته حول صراع على الأرض والوجود، يُدار عبر أدوات قانونية لتكريس واقع استيطاني داخل الأحياء الفلسطينية، وليس مجرد خلافات عقارية.
ويضيف أن موقع بطن الهوى داخل سلوان يمنحه أهمية استراتيجية في المشروع الاستيطاني، كونه يشكّل حلقة وصل بين بؤر استيطانية ممتدة من وادي حلوة (مدينة داوود) غرباً، وصولاً إلى رأس العامود شرقاً، في مسار يهدف إلى تطويق المسجد الأقصى ضمن ما يُعرف بـ”الحوض التاريخي” أو “أورشاليم”، بما يفضي إلى عزله تدريجياً عن محيطه الفلسطيني.
ويوضح أبو دياب أن الادعاءات الإسرائيلية تقوم على مزاعم بملكية مساحات في الحي تعود لفترة ما قبل عام 1948، رغم أن هذه الادعاءات غير مدعومة بإثباتات قانونية حقيقية، وتُستخدم كمدخل لإعادة تعريف الملكية على حساب السكان الفلسطينيين.
أدوات قانونية
ويشير إلى خلل جوهري في المنظومة القانونية، يتمثل في قبول ادعاءات الجمعيات الاستيطانية، مقابل تحميل السكان عبء إثبات العكس، بما يقلب القاعدة القانونية الأساسية ويحوّلها إلى أداة ضغط بدلاً من كونها وسيلة إنصاف.
ويمتد هذا النمط من الاستهداف، وفق أبو دياب، إلى ما هو أبعد من بطن الهوى، ليشمل سلوان وحي البستان ورأس العامود والشيخ جراح، ضمن منظومة واحدة تهدف إلى إعادة تشكيل محيط المسجد الأقصى عبر الإخلاء التدريجي وربط البؤر الاستيطانية ببعضها البعض.
كما يلفت إلى أن ما يجري في حي البستان بسلوان يعكس النمط ذاته، إذ يمتد على مساحة واسعة تضم مئات السكان، وقد شهد هدم عشرات المنازل، بعضها عبر الجرافات وبعضها الآخر عبر إجبار السكان على الهدم الذاتي، في ظل مخطط لإعادة توظيف الأرض ضمن مشاريع استيطانية وحدائق توراتية ومواقف سيارات.
أما في الشيخ جراح، فيؤكد أن الاستهداف يعتمد على ادعاءات ملكية تاريخية تعود لما قبل 1948، رغم وجود اتفاقيات تثبت ملكية فلسطينية وأردنية للأراضي، إلا أن هذه الادعاءات تُستخدم لإقامة مشاريع استيطانية دائمة، من بينها مبانٍ دينية تتضمن وحدات سكنية للمستوطنين، ما يحولها عملياً إلى بؤر استيطانية مغلّفة بطابع تعليمي.
ويخلص أبو دياب إلى أن ما يجري في القدس ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة هندسة المدينة ديموغرافياً وجغرافياً، عبر تقاطع القانون مع القرار السياسي والمشروع الاستيطاني، بما يفضي إلى تقليص الوجود الفلسطيني في قلب القدس وتفكيك تماسك أحيائها التاريخية.