يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن التصعيد الإسرائيلي المتزامن مع جولات التفاوض الجارية في القاهرة يعكس ما تصفه الفصائل الفلسطينية بمحاولة لـ"التفاوض بالدم"، عبر استخدام الغارات والاغتيالات كأداة ضغط مباشرة على مسار المباحثات السياسية.
وبحسب عفيفة، فإن الساعات التي أعقبت انتهاء جولة تفاوضية جديدة بين وفود الفصائل الفلسطينية والوسطاء شهدت تصعيدًا "إسرائيليًا" لافتًا، تمثل في سلسلة غارات واستهدافات متلاحقة، طالت أهدافًا مدنية وعناصر شرطية، قبل أن تتصاعد الرسائل الميدانية مع استهداف نجل الدكتور خليل الحية، في وقت كان فيه رئيس الوفد المفاوض يتابع تفاصيل النقاشات المتعلقة بالردود والتعديلات داخل المسار التفاوضي.
ويشير عفيفة إلى أن حركة حماس لا تنظر إلى هذا التصعيد باعتباره حدثًا عسكريًا منفصلًا عن المفاوضات، بل تعتبره جزءًا من محاولة فرض "إيقاع تفاوضي جديد تحت وقع الاغتيالات"، موضحًا أن الضغوط لا تُمارس فقط عبر الصياغات السياسية داخل القاهرة، بل أيضًا عبر النار في غزة.
ويعيد هذا المشهد، وفق التحليل، إلى الأذهان ما جرى في سبتمبر/أيلول 2025، حين تعرض وفد حماس المفاوض برئاسة خليل الحية لمحاولة اغتيال غير مباشرة أثناء وجوده في الدوحة، خلال دراسة الحركة لمقترح أمريكي يتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
ويقول عفيفة إن ذلك الهجوم أدى حينها إلى استشهاد عدد من المرافقين، بينهم همام الحية، نجل خليل الحية، إضافة إلى مدير مكتبه، بينما نجا قادة الوفد، في حادثة دفعت الحركة إلى رفع مستوى إجراءاتها الأمنية والتعامل مع ما جرى باعتباره "رسالة إسرائيلية واضحة مفادها أن مسار التفاوض نفسه يمكن استهدافه بالنار والاغتيال، وليس فقط بالضغوط السياسية".
ويرى أن الصورة الحالية تبدو وكأنها تتكرر بصورة "أكثر قسوة"، خصوصًا مع استمرار الخلافات حول بعض البنود المتعلقة بخارطة الطريق وملف السلاح، رغم الجهود التي يبذلها الوسطاء لإعادة صياغة تفاهمات قابلة للتسويق أمريكيًا وإسرائيليًا.
وبحسب عفيفة، فإن الفصائل الفلسطينية باتت ترى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بغياب الصيغ السياسية أو نقص المرونة، بل بغياب أي خطوات عملية على الأرض، في ظل استمرار تجميد استحقاقات المرحلة الأولى، وعدم وجود جداول زمنية واضحة تلزم الاحتلال بتنفيذ انسحابات أو إجراءات إنسانية مقابلة.
ويضيف أن هذا الواقع عزز لدى الفصائل انطباعًا متزايدًا بأن الاحتلال يستخدم التصعيد العسكري كلما اقتربت النقاشات من نقطة يمكن البناء عليها سياسيًا، وكأن الرسالة الإسرائيلية الدائمة هي أن "أي تقدم على الطاولة يجب أن يمر أولًا عبر ميزان القوة والنار".
ورغم التصعيد المتواصل، يؤكد عفيفة أن المسار التفاوضي لم ينهَر بالكامل، إذ لا تزال الفصائل تتعامل مع جهود الوسطاء باعتبارها "الخيار الأكثر واقعية" لمنع العودة إلى حرب واسعة، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وداخل إسرائيل.
لكن في المقابل، يلفت إلى أن الوسطاء يواجهون "معضلة حقيقية"، تتمثل في وجود تفهم متزايد للموقف الفلسطيني، يقابله عجز واضح عن ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل أو انتزاع التزام أمريكي قادر على تحويل التفاهمات النظرية إلى وقائع ميدانية.
ويخلص عفيفة إلى أن المشهد التفاوضي الحالي يبدو شديد التعقيد، فـ"المفاوضات لم تفشل… لكنها تنزف"، والوسطاء "لم يغادروا الطاولة… لكنهم يتحركون داخل هامش ضيق"، فيما تبقى غزة، بحسب وصفه، تدفع الثمن ذاته في كل مرة، "فكلما اقتربت السياسة من الحل… اقتربت الطائرات أكثر من أهدافها".
نقاط للتدقيق: