يكشف تقرير حديث صادر عن المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي – “حملة” أن الفلسطينيين لا يواجهون تحديات تتعلق بضعف المهارات أو نقص الكفاءات في هذا المجال، بل يقفون أمام منظومة متكاملة من القيود البنيوية التي تعيق وصولهم إلى الاقتصاد الرقمي أو الاستفادة منه بشكل فعلي.
ويستند التقرير، الذي أعدّه الباحث محمد الرشفا ونُشر يوم الاثنين، إلى مراجعة تقنية لعشرات المنصات الرقمية، إضافة إلى مقابلات مع عاملين مستقلين وخبراء ومسؤولين حكوميين، ليخلص إلى نتيجة مركزية مفادها أن الإقصاء الرقمي الذي يواجهه الفلسطينيون ليس حالة عرضية، بل هو إقصاء ممنهج ومتشابك مع البنية السياسية والاقتصادية التي تحكم واقعهم اليومي.
وينطلق التقرير من نقطة محورية تتمثل في البنية التحتية للاتصالات، حيث يبرز فجوة واسعة بين الأراضي الفلسطينية و"إسرائيل" في مستوى التطور التقني. ففي حين تعتمد "إسرائيل" على شبكات الجيلين الرابع والخامس، لا يزال الفلسطينيون في الضفة الغربية يعملون على شبكات الجيل الثالث منذ عام 2018، بينما يقتصر الاتصال في قطاع غزة في الغالب على الجيل الثاني، ما ينعكس مباشرة على جودة العمل الرقمي واستمراريته.
ويشير التقرير إلى أن هذه الفجوة ليست تقنية بحتة، بل مرتبطة بسيطرة "إسرائيل" على الطيف الترددي وإدخال معدات الاتصالات وتطوير الشبكات، الأمر الذي يجعل أي تقدم في هذا القطاع مرهوناً بموافقة الجهات الإسرائيلية، وغالباً ما يتعرض للتقييد أو التأجيل. وفي غزة، تتفاقم الأزمة بفعل الانقطاع المتكرر للكهرباء والحصار المفروض على إدخال المعدات، ما يجعل العمل الرقمي غير مستقر بطبيعته.
ورغم قدرة بعض الفلسطينيين على تجاوز هذه العقبات التقنية، إلا أن العائق الأكثر تأثيراً يتمثل في أنظمة الدفع الإلكتروني. ويؤكد التقرير أن منصات كبرى مثل “باي بال” لا توفر خدماتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم عملها في أكثر من 200 دولة حول العالم، في حين يتمتع المستخدمون في "إسرائيل"، بما في ذلك المستوطنون، بإمكانية الوصول الكامل إليها.
هذا التمييز ينعكس بشكل مباشر على فرص العمل، إذ يجد المستقلون والعاملون عبر الإنترنت أنفسهم أمام سؤال جوهري يتعلق بكيفية استلام الأجور وتحويلها. وفي ظل غياب حلول رسمية، تتشكل بدائل غير مستقرة تقوم على وسطاء يتقاضون عمولات، أو حسابات خارجية، أو تحويلات غير مباشرة عبر شبكات شخصية.
وفي قطاع التجارة الإلكترونية، يكشف التقرير عن تفاوتات واضحة في الخدمات، حيث يحصل المستخدمون في المستوطنات الإسرائيلية أحياناً على تسهيلات في الشحن أو خدمات مجانية، بينما يواجه الفلسطينيون رسوماً مرتفعة أو غياباً كاملاً للخدمة إلا في حال تسجيل عناوينهم ضمن "إسرائيل". كما تتفاقم المشكلة على مستوى البائعين، نتيجة غياب بوابات الدفع الدولية التي تعطل قدرتهم على تحصيل الإيرادات رغم عرض منتجاتهم عبر المنصات العالمية.
ومع ارتفاع معدلات البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أصبح العمل الحر عبر الإنترنت خياراً أساسياً لآلاف الفلسطينيين في مجالات البرمجة والتصميم والترجمة وغيرها، عبر منصات مثل “Upwork” و“Fiverr”. لكن التقرير يوضح أن هذا الاندماج يبقى شكلياً، بفعل انقطاع الكهرباء، وضعف الاتصال، والقيود المالية التي تعيق استلام الأجور، ما يدفع بعض العاملين للاعتماد على وسطاء من خارج القطاع لاستلام مدفوعاتهم.
وفي ظل هذه القيود، يلجأ الفلسطينيون إلى حلول بديلة مثل التحويلات عبر شركات مالية، أو فتح حسابات خارجية، أو تسجيل شركات في دول أخرى، غير أن هذه الاستراتيجيات، رغم فعاليتها الجزئية، لا تعالج أصل المشكلة، بل تكشف أن المشاركة في الاقتصاد الرقمي لا تتم إلا عبر مسارات التفاف معقدة.
ويربط التقرير هذه الظاهرة ببنية السيطرة الممتدة منذ عام 1967 على قطاع الاتصالات، بما يشمل الطيف الترددي وتطوير الشبكات وإدخال التكنولوجيا. ويشير إلى تقديرات للبنك الدولي تفيد بأن هذه القيود تسببت بخسائر اقتصادية تتراوح بين 0.4 و1.5 مليار دولار نتيجة تعطيل نمو قطاع الاتصالات، إلا أن الأثر الأعمق يتمثل في حرمان الاقتصاد الفلسطيني من أحد أهم محركات النمو الحديثة.
ويستخدم التقرير مفهوم “الإقصاء الرقمي” أو “الحصار الافتراضي” لوصف هذا الواقع، حيث يكون الفلسطينيون حاضرين على المنصات الرقمية وقادرين على العمل والتفاعل، لكنهم غير قادرين على تحويل هذا النشاط إلى قيمة اقتصادية مستقرة أو مستدامة، في شكل من أشكال الإقصاء غير المباشر والمعقد.