خاص - شهاب
يواجه مسار المباحثات الجارية في القاهرة جدارا مسدودا بفعل التعنت الإسرائيلي الممنهج، الذي يسعى لتعطيل أي فرصة للوصول إلى اتفاق نهائي من خلال التنصل من الالتزامات، وخرق اتفاق وقف إطلاق النار عبر التصعيد الميداني في قطاع غزة.
وبرغم الجرائم المتواصلة والخروقات المستمرة، لا تزال قنوات التفاوض لدى فصائل المقاومة الفلسطينية مفتوحة عبر الوسطاء، في محاولة للوصول إلى صيغة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني وتوقف حرب الإبادة الجماعية.
"مرونة كافية يقابلها تعنت"
وفي هذا السياق، أكد الدكتور خليل الحية، رئيس حركة حماس في غزة ورئيس وفدها المفاوض، أن المفاوضات لم تتوقف وأنها تتسم بالحركة الدائمة بين الارتفاع والانخفاض في وتيرتها.
وأشار الحية في تصريحات تلفزيونية، مساء أمس الأربعاء، إلى أن وفد الحركة عاد مؤخرا من القاهرة بعد جولات من النقاش مع الوسطاء والسيد ميلادينوف، مؤكدا أن الحركة "تتحلى بالصبر والشجاعة والمرونة الكافية للاستمرار في البحث عن طرق لتنفيذ الاتفاق".
وشدد الحية على أن العائق الأساسي يكمن في تعنت الاحتلال الإسرائيلي وعدم الالتزام بما يتم الاتفاق عليه، متسائلا عن دور المجتمع الدولي والوسطاء في إلزام الاحتلال بتنفيذ بنود المرحلة الأولى التي رعاها المجتمع الدولي وفي مقدمتهم رئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب.
"ثغرة الإلزام.. رخصة للتمادي"
من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد شاهين أن المطلوب من الوسطاء وعلى رأسهم الرئيس ترامب هو إلزام دولة الاحتلال بالاتفاق، مستدركا: "لكن من يلزم الاحتلال على أرض الواقع؟ لا أحد؛ لأن الضمانات مجرد كلمة تتقاذفها رياح المصالح ما لم تقترن بقوة رادعة، وتظل حبرا على ورق يقرؤه المحتل ضعفا".
وأوضح شاهين في حديث خاص لـ (شهاب) أن الولايات المتحدة وضعت "ثغرة الإلزام" مفتوحة وهم يعرفون أن "إسرائيل" لا تفهم إلا لغة فرض الوقائع، وأن أي اتفاق بلا عقوبات مشروطة يصبح رخصة للتمادي.
واعتبر شاهين أن كل خرق يومي للهدنة وكل قافلة مساعدات توقفها قوات الاحتلال هو نتيجة مباشرة لتلك الثغرة المتعمدة التي تحولت إلى "ظهر يحمي العربدة الإسرائيلية"، ويمنحها فائض وقت لتفتيت ما تبقى من اتفاق، مؤكدا أنهم أرادوا في العمق اتفاقا "يدير الأزمة لا ينهيها"، فتركوا الإلزام مفرغا من مضمونه ليبقى الاحتلال حرا يختبر صبر العالم يوميا ويخرج كل مرة بلا ثمن، مشددا على أن المطلوب اليوم أمام مرونة وإيجابية فصائل المقاومة هو إلزام الاحتلال بتطبيق بنود المرحلة الأولى ووقف خروقاته.
وفي قراءته للمشهد، أشار شاهين إلى أن المفارقة الحالية هي "ازدواجية معايير متجذرة في بنية النظام الدولي"، حيث تمنح المقاومة الوسطاء شجاعة سياسية ومرونة تكتيكية من موقع الإيمان بعدالة القضية، بينما يقابلها الاحتلال بتعنت مرضي ورفض ممنهج لإدراكه أن الحصانة الغربية مشروطة بالبقاء في دائرة "الضحية المزعومة".
واعتبر شاهين أن الاحتلال يستخدم جلسات حوار القاهرة ليس كمسار إنساني بل كـ "ممر" لتمرير أكبر قدر من الاغتيالات وتدمير البنية التحتية تحت ضجيج "البروباغندا التفاوضية"، واصفا إياها بجريمة منظمة تستخدم فيها القاعة السياسية كقناع قانوني لاستباحة الميدان.
"إعدام الحياة وقطع الطريق السياسي"
وفي محور متصل، يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن السياسة الإسرائيلية الميدانية تهدف لتقويض أي جهد سياسي، قائلا: "(إسرائيل) لم تتوقف عن استهداف القادة وعائلاتهم وحتى أقاربهم، والسجل طافح بعدد من قامت باغتيالهم".
وقال عوكل في تصريح خاص لـ (شهاب) أن "الرسالة واضحة، فهي ترمي إلى تأكيد سياسة رفض أي مفاوضات أو اتفاقيات وحتى خطة ترامب، في محاولة لصنعة مشهد انتصاري لم ينجح الجيش الإسرائيلي في تحقيقه على أي من جبهات القتال".
وبين عوكل على أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز الميدان العسكري، موضحا أن "الهدف الأساسي هو إعدام الحياة في قطاع غزة لارغام أهلها على الهجرة، وقطع الطريق أمام أي مسار سياسي نحو حل الدولتين".
"إفلاس سياسي"
وعن دلالات استهداف عائلات المفاوضين، لفت المحلل محمد شاهين إلى أن اغتيال نجل الدكتور خليل الحية هو "إفلاس سياسي متجسد في غارة غادرة"، موضحا أن لجوء الاحتلال لاستهداف نجل كبير المفاوضين في ذروة المباحثات هو "انتحار تفاوضي" يفضح نية مبيتة لإفشال المسار قبل أن يبدأ.
ويرى شاهين أن هذا الإجرام يهدف لتفجير جسور الثقة التي يحاول الوسطاء مدها، فالاحتلال يريد من الطرف الآخر أن يفاوض بيد ممدودة بينما يحتضن بيده الأخرى كفن نجله، في رسالة دموية مفادها أن طاولة التفاوض ليست سوى "غرفة انتظار للمشانق" واستثمار في التوحش لانتزاع تنازلات تحت وطأة الفقد، وهو ما لن يحصلوا عليه؛ لأن الاحتلال اليوم لا يمتلك أوراق ضغط بل يمتلك أوراق قتل مكشوفة أثبتت عقمها الاستراتيجي أمام ثبات وعقيدة المقاومة.