خاص / شهاب
في أشباه ما تبقى من أقسام مرضى الثلاسيميا داخل قطاع غزة، لا يشبه الثامن من مايو/ أيار هذا العام يوماً عالمياً للتوعية بمرض "فقر الدم المتوسطي" كما يحدث في دول العالم، بقدر ما يشبه نداء استغاثة جماعياً لمرضى يعيشون على حافة الموت، مع انهيار المنظومة الصحية بفعل الحرب والحصار.
وتكمن مأساة مرضى الثلاسيميا في غزة في أن حياتهم ظلت دائماً رهينة أي تدهور صحي أو إنساني يضرب القطاع، إذ يجد هؤلاء المرضى أنفسهم في كل أزمة أمام مواجهة مباشرة مع الموت. وخلال العام الماضي، حاصرتهم المجاعة والحرب مع انعدام أكياس الدم، بينما يواجهون اليوم أزمة أكثر تعقيداً مع نقص الأدوية والاحتياجات الطبية والمخبرية، بما يفاقم معاناتهم اليومية ويهدد حياتهم بشكل مستمر.
مرتبطة بكيس الدم
وباتت أكياس الدم، وما تحتاجه من أدوات ومستهلكات طبية بسيطة، تتحكم بمصير مئات المرضى الذين يعتمدون عليها للبقاء أحياء، بعدما تحول العلاج نفسه إلى "موت معلّق" بسبب نقص الفلاتر والأدوية، فيما يهدد غياب علاجات طرد الحديد أجسادهم المنهكة بمضاعفات خطيرة تطاول القلب والكبد والعظام.
تقول مها أبو شويخ (18 عاماً)، إن حياتها باتت مرتبطة بموعد كيس الدم أكثر من أي شيء آخر، فكل تأخير يعني مزيداً من التعب والدوار واحتمالاً أكبر لانهيار جسدها المنهك.
وتضيف بصوت خافت: "ننتظر الدم كما ينتظر الناس النجاة، لكننا في كثير من الأحيان نعود من المستشفى من دون علاج".
وتوضح أنها و مرضى الثلاسيميا كانوا قبل الحرب يحصلون على جلسات نقل الدم بصورة منتظمة، إلى جانب الأدوية الخاصة بطرد الحديد والفحوصات الدورية، لكن الحرب قلبت حياتهم بالكامل بعدما تراجعت قدرة المستشفيات على تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية.
وتقول: "أحياناً ننتظر لساعات طويلة داخل المستشفى، وفي النهاية يخبروننا بعدم توفر الدم أو الفلاتر، فنعود ونحن نخشى أن تتدهور حالتنا أكثر".
ويعتمد مرضى الثلاسيميا على نقل الدم بشكل دوري كل بضعة أسابيع للحفاظ على مستوى الهيموغلوبين في الجسم، إلا أن استمرار الحرب والحصار تسبب في نقص حاد بوحدات الدم، إلى جانب أزمة المستهلكات الطبية الضرورية لإجراء عمليات النقل بصورة آمنة، ما ضاعف المخاطر الصحية التي يتعرض لها المرضى.
وفي هذا السياق، حذرت وزارة الصحة في غزة من تفاقم الأزمة الدوائية والمخبرية داخل المستشفيات، معلنة نفاد 47 بالمئة من الأدوية الأساسية و59 بالمئة من المستهلكات الطبية، فيما أصبحت أرصدة 87 بالمئة من مواد الفحص المخبري "صفراً"، الأمر الذي يهدد قدرة المختبرات على إجراء الفحوصات الأساسية للمرضى.
"المؤشرات الصفرية
وأكدت الوزارة أن خدمات علاج أمراض الدم، ومن بينها الثلاسيميا، تعد من أكثر القطاعات الصحية تضرراً جراء النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب تراجع الخدمات المخبرية اللازمة لمتابعة المرضى وتشخيص المضاعفات الصحية.
كما حذرت من نقص مواد الفحص الخاصة بتحليل الدم الشامل (CBC) وفحوص الكيمياء السريرية وغازات الدم، وهي فحوص أساسية يعتمد عليها مرضى الثلاسيميا لمراقبة حالتهم الصحية بصورة مستمرة، في وقت تؤدي فيه "المؤشرات الصفرية" للأدوية والمستهلكات إلى تقويض جهود الطواقم الطبية وزيادة معاناة المرضى.
ويقول الطبيب فؤاد نجم إن مريض الثلاسيميا في غزة "يعيش بجسد يصدأ من الداخل"، موضحاً أن المرضى الذين يعتمدون على نقل الدم الدوري تتراكم في أجسادهم كميات كبيرة من الحديد، بينما لا يمتلك الجسم وسيلة طبيعية للتخلص منه من دون أدوية طرد الحديد.
ويضيف: "من دون هذه الأدوية يترسب الحديد في عضلة القلب مسبباً هبوطاً مفاجئاً بالقلب، وفي الكبد مسبباً التليف، كما يضرب الغدد الصماء ويسبب السكري وفشل النمو".
ووفق بيانات وزارة الصحة، وصلت نسبة العجز في أدوية طرد الحديد التخصصية إلى 100 بالمئة، فيما تعجز معظم العائلات عن شراء أي كميات محدودة متوفرة بأسعار مرتفعة، خصوصاً أن المريض يحتاج إلى جرعات يومية مدى الحياة.
ويشير نجم إلى أن الأطباء باتوا يعيشون معضلة أخلاقية يومية، قائلاً: "إذا أعطينا المريض دماً لإنقاذه من الهبوط الحاد في الهيموغلوبين، فإننا نزيد من ترسب الحديد القاتل داخل جسده بسبب غياب الدواء الطارد، وإذا توقفنا عن نقل الدم سيموت مباشرة بسبب الأنيميا".
ويتابع: "نحن نعلم أننا بتقديم الدم بلا طاردات الحديد نؤجل موت المريض من اليوم إلى العام القادم، نحن نشتري لهم مزيدا من الوقت المعجون بالمعاناة".
"مثلث أزمة"
ومع غياب فلاتر الدم، ارتفعت المخاوف من حدوث مضاعفات صحية خطيرة تشمل الحمى والتفاعلات المناعية والالتهابات، بينما لم تعد المستشفيات قادرة على توفير الرعاية الكاملة أو إجراء الفحوصات الدورية اللازمة بصورة منتظمة.
ويشرح الطبيب نجم أن الأزمة التي يعيشها مرضى الثلاسيميا لم تعد مجرد نقص في أكياس الدم، بل "مثلث أزمة" متكامل يهدد حياتهم يومياً.
ويوضح أن الضلع الأول يتمثل في النقص الحاد بوحدات الدم نتيجة الضغط الهائل على المستشفيات مع تدفق أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين، ما يدفع الطواقم الطبية إلى إعطاء الأولوية للحالات الطارئة وتأجيل مرضى الثلاسيميا باعتبارهم "حالات مستقرة نسبياً".
ويقول: "هذا التأجيل قد يمتد لأسابيع، وخلالها يهبط الهيموغلوبين إلى مستويات خطرة قد تؤدي إلى فشل في وظائف القلب".
أما الضلع الثاني من الأزمة، بحسب نجم، فهو غياب الفلاتر الوريدية اللازمة لتنقية الدم من كريات الدم البيضاء والشوائب، وهي أدوات أساسية لمنع التفاعلات التحسسية والمضاعفات الخطيرة لدى المرضى.
ويضيف: "بسبب الحصار فقدت هذه الفلاتر تماماً، وأصبح الأطباء مضطرين إلى نقل الدم بصورة خام، ما يعرّض المرضى لأعراض قاسية قد تهدد حياتهم فوراً".
ويتمثل الضلع الثالث، وفق الطبيب، في استمرار نقل الدم من دون أدوية طرد الحديد، موضحاً أن "المعادلة الطبية الطبيعية هي: نقل دم + دواء طارد للحديد = حياة مستقرة، أما المعادلة الحالية في غزة فهي نقل دم بلا دواء طارد، ما يعني تراكم الحديد في القلب والكبد بصورة قاتلة".
ومع حلول اليوم العالمي لمرضى الثلاسيميا، تبدو معركة المرضى في غزة أبعد من مجرد التعايش مع مرض مزمن، وسط مناشدات متكررة للمؤسسات الدولية والصحية بتوفير وحدات الدم الآمنة، والأدوية، والمستلزمات الطبية العاجلة، لإنقاذ حياة مئات المرضى المهددين بالموت البطيء.