خاص – شهاب
قال د. رائد أبو بدوية، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، إن تصاعد خروقات الاحتلال في قطاع غزة، من خلال استهداف المنازل السكنية، كما حدث أمس في مخيم الشاطئ، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الإقليمي والدولي المعقّد.
وأوضح، في تصريح خاص لوكالة شهاب، أن "إسرائيل" تبدو وكأنها تستثمر حالة الانشغال الأميركي والدولي بملف إيران والتوترات الإقليمية، إلى جانب الحسابات المرتبطة بالانتخابات الأميركية النصفية والانتخابات "الإسرائيلية" العامة المرتقبة نهاية هذا العام، لفرض وقائع ميدانية جديدة في غزة بعيداً عن ضغوط دولية حقيقية.
وأضاف، أن هذا السلوك يعكس قناعة "إسرائيلية" بأن البيئة الدولية الحالية أقل حساسية تجاه التصعيد في غزة، خاصة في ظل تراجع أولوية القضية الفلسطينية على أجندة القوى الكبرى مقارنة بملفات أخرى تعتبر أكثر إلحاحاً بالنسبة للغرب، مثل أمن الطاقة، والبرنامج النووي الإيراني، والتنافس الدولي في مناطق أخرى من العالم.
وأشار أبو بدوية إلى أنه رغم وجود نافذة محدودة أمام الإدارة الأميركية للضغط على "إسرائيل" من أجل العودة إلى خطة الرئيس الأميركي ترامب المتعلقة بغزة، بما قد يشمل الدفع نحو وقف الهجمات العسكرية، وإدخال المزيد من المساعدات الإنسانية، وترتيب انسحاب إسرائيلي أوسع من بعض مناطق القطاع، إلا أن تحقيق ذلك لا يبدو سهلاً في ظل التعقيدات الإقليمية الحالية وطبيعة توجهات الإدارة الأميركية.
وبيّن أن واشنطن تبدو أقرب إلى سياسة منع الانفجار الشامل أو احتواء التصعيد، وليس فرض تسوية سياسية كاملة على "إسرائيل"، لافتاً إلى أن أي تصعيد واسع في غزة قد ينعكس سلباً على المصالح الأميركية الإقليمية، خاصة في ظل التوتر مع إيران واحتمالات توسع الصراع إقليمياً، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة سياسية حقيقية مع "إسرائيل"، خصوصاً في مرحلة انتخابية حساسة داخلياً.
وأكد أن اقتراب الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة يجعل رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو أكثر تمسكاً باستخدام ملف غزة ضمن معاركه السياسية الداخلية، حيث غالباً ما يتم توظيف التصعيد الأمني والعسكري لتعزيز الخطاب السياسي وكسب مزيد من الدعم داخل الساحة "الإسرائيلية".
وأوضح أن التجربة السياسية "الإسرائيلية" خلال السنوات الماضية أظهرت أن حكومات الاحتلال كثيراً ما تلجأ إلى توظيف الملفات الأمنية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، وخلق حالة من الالتفاف السياسي حول القيادة تحت عنوان "الأمن القومي"، خاصة عندما تكون الحكومة تواجه أزمات داخلية أو تراجعاً في الشعبية.
وفي المقابل، أشار إلى أن قوى إقليمية مثل قطر و مصر وتركيا، تحاول الحفاظ على دورها في الوساطة ومنع الانفجار الشامل، لكن قدرة هذه الأطراف تبقى محدودة لعدة أسباب.
وبيّن أن هذه الدول لا تملك أدوات ضغط حاسمة على "إسرائيل" بقدر ما تملك قدرة على إدارة الاتصالات وتخفيف التوتر، كما أن أي وساطة إقليمية تبقى مرتبطة بالموقف الأميركي، باعتبار أن واشنطن ما تزال الطرف الدولي الأكثر تأثيراً في القرار "الإسرائيلي"، إضافة إلى تباين أولويات القوى الإقليمية نفسها،حيث تنظر بعض الدول إلى ملف غزة من زاوية إنسانية وأمنية، بينما تتعامل أطراف أخرى معه ضمن حسابات النفوذ الإقليمي والتوازنات السياسية بالمنطقة.
ولفت إلى أن المرحلة الحالية تتجه نحو استمرار سياسة "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها، أي احتواء التصعيد ومنع الانهيار الكامل دون معالجة جذور الصراع، ما يعني أن غزة قد تبقى خلال الفترة المقبلة ساحة مفتوحة للضغط العسكري والسياسي المتبادل، في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لفرض مسار سياسي واضح يوقف الحرب ويمنع إعادة إنتاج دوائر التصعيد بشكل متكرر.