لم يعد “الخط الأصفر” مجرد توصيف عسكري لحدود أو مناطق يفرض الاحتلال الإسرائيلي بالقوة خلوها من السكان، بل تحول مع الوقت إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع المعيشي داخل القطاع. فالمنطقة التي يصنفها الاحتلال الإسرائيلي ضمن نطاقات “محظورة” أو “عازلة” تمتد في أجزاء واسعة من الأراضي الشرقية والشمالية لقطاع غزة، بما نسبته بين 45% إلى 47%، بحسب بيانات نشرها الإعلام الحكومي في غزة، وهي المناطق التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي في قطاع غزة.
تشير الوقائع الميدانية إلى أن سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على هذه المناطق أدت إلى خسارة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأمن الغذائي ومستوى المعيشة في غزة. ووفق تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، فإن نحو 98.5% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة أصبحت متضررة أو غير قابلة للوصول أو الزراعة، نتيجة التواجد العسكري للاحتلال الإسرائيلي والمناطق العازلة المفروضة من قبله.
استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية والتقييمات الجغرافية، فإن المناطق الشرقية التي دخلت ضمن ما يعرف بـ”الخط الأصفر” كانت تمثل السلة الغذائية الأساسية للقطاع، حيث تضم أغلب المزارع والحقول الزراعية والدفيئات. وقد أدى تجريف هذه الأراضي ومنع المزارعين من الوصول إليها إلى انهيار حاد في الإنتاج المحلي، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء، في وقت يعيش فيه القطاع أصلًا أزمة إنسانية خانقة بفعل سياسة التجويع الممنهج.
وفي هذا السياق، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي باتت تسيطر فعليًا على معظم المناطق الزراعية الحيوية في غزة، بينما تحولت بقية المساحات المتاحة إلى مناطق خطرة أو محدودة الوصول. كما أشارت وزارة الزراعة في غزة إلى أن أكثر من 90% من المناطق الواقعة ضمن “الخط الأصفر” هي أراضٍ زراعية كانت تشكل المصدر الرئيسي للغذاء والدخل لآلاف العائلات الغزية.
ولم تتوقف التداعيات عند الزراعة فقط، بل امتدت إلى القطاع الصناعي وقطاع الإنتاج الحيواني، الذي يعتمد بدوره على المساحات الحدودية والمناطق الشرقية، لوجود عدد كبير من مزارع الدواجن والأبقار، والورش، والمناطق الصناعية، والبنى التحتية، والمصانع، والمخازن. فقد أدى القصف المستمر، وإغلاق الطرق، ومنع الحركة، إلى شلل كامل في القطاع الصناعي، خاصة الصناعات الغذائية والبلاستيكية والإنشائية. كما تسبب فقدان المواد الخام والطاقة والوقود في توقف آلاف المنشآت عن العمل، ما فاقم معدلات البطالة والفقر.
ويرى المتابعون أن “الخط الأصفر” لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني، بل يحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ يضيق المجال الجغرافي الحيوي المتاح للسكان في واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية، بعد تهجير ما يقرب من مليون إنسان ورفض السماح لهم بالعودة إلى منازلهم المدمرة شرق الخط المذكور، ما دفع بمزيد من السكان نحو النزوح الداخلي والتكدس في مناطق محدودة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وفق ما حذرت منه عدد من المؤسسات الأممية، فإن استمرار هذا الواقع يهدد بحدوث انهيار طويل الأمد في منظومة الأمن الغذائي داخل غزة، خاصة مع تراجع القدرة على استصلاح الأراضي ورفض الاحتلال الإسرائيلي إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية الصناعية أو الحيوانية. وتشير بيانات أممية إلى أن أقل من 5% فقط من الأراضي الزراعية بقيت قابلة للاستخدام الفعلي بحلول عام 2025، وهو ما ينذر بمضاعفة مستويات المجاعة، في ظل الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية وما يسمح بدخوله من أصناف محدودة كمًا ونوعًا.
إضافة إلى ذلك، يعكس “الخط الأصفر” تحولًا في طبيعة إدارة الحرب على غزة، مع توقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر الماضي، من عمليات عسكرية صاخبة إلى واقع ميداني يفرض تغييرات جغرافية واقتصادية قاسية وطويلة الأمد، لكن بصمت، وهو تهديد مباشر لا تقل تداعياته وخطورته عن القصف والتدمير، وفق الكثير من الجهات الحقوقية والإنسانية التي ترى فيه تهديدًا مباشرًا لحقوق المدنيين، ولإمكانية إعادة الحياة الطبيعية مستقبلًا داخل القطاع المحاصر.
وأخيرًا، فإن استمرار هذا الواقع المأساوي يتسبب بكارثة إنسانية واجتماعية عميقة في القطاع المحاصر، في ظل تمسك الاحتلال الإسرائيلي بـ”الخط الأصفر” ورفضه الانسحاب إلى خارج حدود غزة، حيث لا يمكن قراءة هذا الرفض من المنظور الأمني وحسب، بل إن لذلك أهدافًا اقتصادية واجتماعية وديموغرافية خطيرة، تلقي بظلالها الثقيلة على كل تفاصيل الحياة في غزة، وتنذر باستمرار وتعميق المأساة الإنسانية مع الوقت.