تزامنا مع الذكرى الرابعة لاغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، تتجدد الاتهامات الحقوقية بأن غياب مساءلة إسرائيل عن مقتلها قد مهد الطريق أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع نطاق استهدافه الممنهج للصحفيين في فلسطين ولبنان، محولا "السترة الواقية" الخاصة بالصحفيين إلى هدف مشروع بدلا من كونها شارة حماية.
وروى للجزيرة الزميل المصور الصحفي علي السمودي -الذي كان شاهداً ومصاباً في ذلك الصباح الدامي من مايو/أيار 2022- تفاصيل الجريمة التي وقعت على أطراف مخيم جنين. يومها، اضطر المسعفون إلى تقييده حتى يتمكنوا من معالجة إصابته بطلق ناري، وذلك بعدما رأى وصول جثة زميلته شيرين أبو عاقلة إلى مستشفى ابن سينا في الضفة الغربية المحتلة.
وقال السمودي للجزيرة "تمكنت من رؤية شيرين وهي مستلقية بجانبي. لم أستطع تصديق الموقف. بدأت في الصراخ وحاولت الوصول إليها، لكنهم لم يسمحوا لي بذلك".
وكان جنود الاحتلال الإسرائيلي قد أطلقوا النار على السمودي في ظهره في ذلك النهار، قبل أن يطلقوا رصاصة أخرى أودت بحياة شيرين أبو عاقلة. وأوضح السمودي أن الصحفيين كانوا يرتدون سترات تحمل شارات الصحافة بوضوح، ولم يكن هناك أي اشتباك مسلح في محيطهم داخل مخيم جنين.
لكن الرصاصة التي قتلت شيرين أصابتها في المنطقة المكشوفة بين الخوذة والسترة الواقية، وهو ما اعتبره السمودي دليلا على أن ما حدث "لم يكن حادثا أو مجرد مصادفة". وهو الاستنتاج ذاته الذي خلصت إليه شهادات شهود عيان وتحقيقات صحفية وتقارير صادرة عن منظمات حقوقية، أكدت بدورها أن الاستهداف كان متعمدا.
من جهتها، ادعت السلطات الإسرائيلية -في البداية- أن المراسلة قُتلت على أيدي مقاتلين فلسطينيين، قبل أن تتراجع لاحقا عن ذلك بعد انهيار روايتها على الصعيد الدولي، وتعلن فتح تحقيق في ملابسات الحادث.
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، قال الجيش الإسرائيلي إن هناك "احتمالا كبيرا" بأن تكون أبو عاقلة قد أُصيبت "عن طريق الخطأ" بنيران إسرائيلية.
غياب المساءلة
شكلت قضية شيرين اختبارا حقيقيا لمبادئ العدالة الدولية، إلا أن النتيجة كانت مخيبة للآمال. فقد أسفر غياب المساءلة الدولية لإسرائيل ومحاسبتها على اغتيال الصحفية ومهاجمة زملائها عن تصاعد "القتل المنهجي" الإسرائيلي للصحفيين، ليس فقط في فلسطين، بل وفي لبنان أيضا.
ومنذ ذلك الحين، قتلت إسرائيل مئات الصحفيين وأكثر من 10 مواطنين أمريكيين في غزة ولبنان والضفة الغربية المحتلة، من دون توجيه ولو اتهام واحد بحق الجناة، وهو ما خلق شعورا مطلقا بالإفلات من العقاب لدى جنود الاحتلال.
وفي هذا السياق، قال رئيس المعهد العربي الأمريكي جيمز زغبي إن طريقة تعامل إسرائيل مع قضية شيرين "شكّلت نموذجا متكررا من الإنكار والتضليل والتشويش"، موضحا أنهم "قالوا في البداية إنهم لم يقتلوا شيرين، ثم قالوا إن جهة أخرى مسؤولة، وفي النهاية أعلنوا فتح تحقيق".
وأضاف أن هذا النمط يُستخدم عادة لتجنب المساءلة، معتبرا أنه أصبح "ممارسة إسرائيلية راسخة في التعامل مع الانتهاكات"، الأمر الذي يعزز -بحسب وصفه- "ثقافة الإفلات من العقاب" لدى الإسرائيليين.
تقاعس الدور الأمريكي
كما اتهم زغبي الولايات المتحدة بتبنّي المقاربة الإسرائيلية في التعامل مع القضية على الرغم من كون شيرين مواطنة أمريكية، مشيرا إلى أن التحقيقات الأمريكية لم تُفضِ -حتى بعد سنوات- إلى أي محاسبة فعلية.
وخلال السنوات الأخيرة، واجهت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل انتقادات متزايدة بسبب غياب المحاسبة في قضايا مقتل مواطنين أمريكيين على أيدي جنود أو مستوطنين إسرائيليين.
ومن بين هذه القضايا مقتل الشاب الأمريكي سيف الله مسلط الذي تعرض -وفق تقارير- للضرب المبرح حتى الموت على أيدي مستوطنين في الضفة الغربية، من دون توجيه اتهامات جنائية لهم حتى الآن.
بدوره، قال المدير التنفيذي لمنظمة فجر عمر شاكر إن العديد من المنظمات الحقوقية وثّقت مقتل عدد من المواطنين الأمريكيين على أيدي القوات الإسرائيلية أو مستوطنين منذ عام 2003، من دون أن يحاسَب المسؤولون عن ارتكابها حتى اللحظة.
وأضاف شاكر أن غياب المساءلة في قضية شيرين أبو عاقلة "وجّه رسالة واضحة مفادها أن حياة الأمريكيين لا تحظى بالأهمية نفسها عندما يكون القاتل إسرائيليا"، لافتا إلى أن "مناخ الإفلات من العقاب" قد أدى إلى عواقب مميتة.
منع التوثيق
وخلال الأعوام الأربعة الماضية، تصاعدت التحذيرات من استهداف الصحفيين الفلسطينيين، إذ تشير منظمات معنية بحرية الصحافة إلى أن إسرائيل أصبحت أكثر الدول قتلا للصحفيين برصاص جنودها خلال النزاعات الأخيرة، لا سيما في غزة والضفة الغربية ولبنان.
وقد تعرض عدد من صحفيي شبكة الجزيرة للاغتيال بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، بينهم المراسلان إسماعيل الغول وأنس الشريف.
كما لم تقتصر حرب إسرائيل ضد الصحفيين على الرصاص الغادر، بل امتدت لتشمل ترهيبهم وتغييبهم خلف القضبان. فالسمودي نفسه لم يخرج من سجون الاحتلال إلا مطلع هذا الشهر، بعد عام من الاعتقال الإداري التعسفي وسوء المعاملة، لينضم إلى قائمة تضم أكثر من 40 صحفيا فلسطينيا لا يزالون رهن الاعتقال، وفقا لبيانات نادي الأسير الفلسطيني.
ويرى السمودي أن هذه الهجمات -سواء كانت بالقتل أو التنكيل- تهدف بالأساس إلى منع توثيق الجرائم الإسرائيلية وإفراغ الميدان من شهود العيان، خاصة في ظل تنامي عنف المستوطنين المدعومين من حكومة الاحتلال.
وختم السمودي بقوله: "يريدون منعنا من القيام بعملنا، خصوصا أننا زملاء وأصدقاء شيرين. لكننا نقول -وسنواصل القول- إن التغطية مستمرة. لن يتمكنوا من إسكات صوت شيرين أبو عاقلة"، مؤكدا أن إرثها "سيبقى حاضرا لدى أجيال".