خاص / شهاب
تُبرز سياسات بنك فلسطين المتعلقة بإدارة السيولة النقدية وتقييد عمليات السحب والتحويل، كعامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد المالي والمعيشي في قطاع غزة، في ظل واقع اقتصادي خانق يعيش على وقع انهيار متسارع بفعل الحرب المستمرة، وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية وسبل العيش.
وبينما يواجه السكان أزمة سيولة نقدية حادة عطّلت قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، تتصاعد شكاوى مواطنين ونشطاء ومؤسسات أهلية، من أن هذه الإجراءات، بما في ذلك تحديد سقوف السحب النقدي، وتقنين الحصول على الودائع، وتعطيل بعض المعاملات المالية، ساهمت في تضييق الوصول إلى الأموال، وحرمان آلاف الأسر من التصرف بحرية في مدخراتها.
حلول عاجلة
ويجمع الغزيون، عبر مناشداتهم ومنشوراتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، على أن تلك سياسات بنك فلسطين "تعسفية"، وتزيد من تفاقم المعاناة اليومية، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى حلول مالية مرنة تراعي الظروف الإنسانية الاستثنائية.
وعبّر مواطنون في قطاع غزة عن غضب متصاعد من سياسات تجميد الحسابات وتقييد الوصول إلى الأموال في البنوك، معتبرين أنها فاقمت من معاناتهم اليومية في ظل أزمة سيولة خانقة وانهيار اقتصادي متواصل.
ويؤكد هؤلاء أن العديد من الأسر، خصوصًا الأسرى والمحررون وأسر الشهداء والأرامل والأيتام، يعتمدون بشكل أساسي على الحوالات المالية القادمة من الخارج لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء وحليب الأطفال والدواء.
ويشير المواطنون في مناشداتهم إلى أن تقييد هذه التحويلات وتجميد بعض الحسابات حرم عشرات العائلات من الاستفادة من مصادر دخلها المحدودة، ما عمّق حالة العجز داخل البيوت التي فقدت معيلها أو تعيش على المساعدات فقط، ويطرحون تساؤلات حول مصير هذه الفئات في ظل غياب حلول عاجلة تضمن وصول الأموال دون قيود إضافية، مؤكدين أن الوضع الحالي لم يعد يحتمل المزيد من الإجراءات التي تزيد من الضغط على الحياة اليومية.
كما يطالب مواطنون إدارة بنك فلسطين بالتراجع عن سياسات التجميد، وإيجاد آليات أكثر مرونة تضمن وصول الأموال لأصحابها، في ظل ما يصفونه بواقع إنساني واقتصادي بالغ القسوة يعيشه قطاع غزة.
من جانبه، يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة، د. سمير أبو مدللة، أن سياسات تجميد الحسابات في القطاع تُعد "شديدة الحساسية" في هذه المرحلة، حيث باتت الحسابات البنكية والتطبيقات الإلكترونية الوسيلة شبه الوحيدة لإجراء المعاملات اليومية، سواء لشراء الغذاء والدواء أو لتلقي الرواتب والتحويلات المالية.
ويشير أبو مدللة إلى أن بعض الإجراءات التي تتخذها البنوك تُبرَّر بأنها تستهدف حسابات يُشتبه في استخدامها في بيع السيولة أو فرض عمولات غير قانونية أو في شبهات مرتبطة بغسل الأموال، إلا أن الإشكالية، وفق ما يرد في شكاوى المواطنين، تكمن في اتساع نطاق هذه الإجراءات أحيانًا، وغياب التوضيحات الكافية أو آليات الاعتراض السريعة، ما يضع الأفراد في حالة قلق مستمر من فقدان الوصول إلى أموالهم بشكل مفاجئ.
ويشدد على أن أي سياسة مالية في ظل الحرب والحصار يجب أن توازن بين الالتزام بالضوابط المصرفية وبين الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، نظرًا لأن البعد الإنساني لا يقل أهمية عن البعد الرقابي في بيئة تعاني واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والاقتصادية.
ويضيف أن استمرار القيود يدفع بعض المواطنين نحو السوق غير الرسمية للحصول على النقد، ما يؤدي إلى ارتفاع العمولات وتوسّع مظاهر الاستغلال المالي، إلى جانب تراجع الثقة بالقطاع المصرفي. كما يلفت إلى أن التداعيات لا تقف عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية، في ظل تفاقم الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، ما يجعل أي تجميد للحسابات يتحول إلى أزمة معيشية مباشرة للأسر.
ويطالب أبو مدللة بضرورة تحقيق توازن بين الرقابة المالية والمسؤولية الاجتماعية، عبر التمييز بين الحالات الفردية والحالات المنظمة، وتجنب التعميم في تطبيق الإجراءات، مع توضيح أسباب التجميد للمواطنين بشكل رسمي وشفاف.
"اقتصاد رقمي مراقب"
كما يدعو إلى إنشاء آلية اعتراض سريعة تتيح مراجعة الحالات خلال فترة قصيرة بدل الانتظار الطويل، واعتماد نظام "التقييد الجزئي" بدل التجميد الكامل، بما يسمح بتغطية الاحتياجات الأساسية لحين انتهاء التحقيقات.
ويؤكد أن سلطة النقد تتحمل مسؤولية مركزية باعتبارها الجهة المنظمة والرقابية للقطاع المصرفي، بما يشمل ضرورة التدخل لإعادة تنظيم التعامل مع الحسابات المجمدة وتسهيل وصول المواطنين إلى خدماتهم المالية.
في حين حذّر المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر من الخطورة البالغة لسياسة تجميد الحسابات التي ينتهجها "بنك فلسطين" بحق المواطنين في قطاع غزة، مؤكداً أن هذه الإجراءات تتجاوز كونها "تقنية" لتصل إلى حد إعادة هندسة النظام المالي بطريقة تُحمّل المواطن الكلفة الأكبر.
وأوضح أبو قمر لـ"شهاب" أن البنك لا يعمل كلاعب مستقل في هذا السياق، بل ينفذ سياسات امتثال ورقابة مرتبطة بسلطة النقد التي تعمل ضمن شبكة رقابة دولية معقدة لتتبع حركة الأموال، وهي سياسات لا يملك البنك ترف تجاوزها رغم نتائجها الصادمة على الواقع المعيشي المنهك أصلاً في القطاع.
ويرى أبو قمر أن المشكلة الحقيقية تكمن في توقيت هذه الإجراءات وسط انهيار حاد في السيولة وتراجع النقد المتداول، ما جعل المواطنين يعتمدون بشكل شبه كامل على الحسابات البنكية في تسيير حياتهم، معتبراً أن تعطيل هذه الحسابات يعني عملياً وقف الدورة الاقتصادية اليومية من استهلاك ورواتب وتجارة.
كما أشار إلى أن هذه السياسات تتزامن مع انتقال قسري نحو "اقتصاد رقمي مراقب" يحدث بسرعة تفوق قدرة المجتمع الغزي على التكيف، مما يخلق صدمة اقتصادية مباشرة للأفراد والشركات على حد سواء.
وشدد المختص الاقتصادي على أن غياب الشفافية في تفسير قرارات التجميد وتفاوت تطبيقها يضرب الثقة في النظام المصرفي الفلسطيني، محذراً من أن تآكل هذه الثقة سيؤدي بالضرورة إلى اتساع "الاقتصاد غير الرسمي" كبديل اضطراري للمواطنين، وهو ما يتناقض تماماً مع الأهداف المعلنة لأي عملية تنظيم مالي، داعياً إلى ضرورة مراعاة خصوصية بيئة غزة الاقتصادية قبل فرض إجراءات تزيد من معاناة الغزيين وتعمق أزماتهم المالية.