خاص / شهاب
تحوّلت "التكايا" إلى المصدر الغذائي شبه الوحيد لآلاف النازحين الذين فقدوا قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط تفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة. غير أن هذه "المبادرات الإنسانية" التي تحدّ من تفاقم الجوع إلى مستويات أشد، تكشف في المقابل عن أزمة غذائية أعمق، إذ تعتمد معظم الوجبات المقدمة على أصناف محدودة ومتكررة تفتقر إلى التنوع والقيمة الغذائية، ما يرسّخ واقع سوء التغذية بدل أن يخففه، في ظل انهيار سلاسل الإمداد وتراجع المساعدات الإنسانية داخل القطاع.
سد الجوع فقط
ويواجه نحو 1.6 مليون شخص في قطاع غزة، ما يمثل نحو 77% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق أحدث تقديرات برنامج الأغذية العالمي وتصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل (IPC) الصادر بين أبريل ومايو 2026. ويأتي هذا التدهور في ظل أزمة تمويل إنساني حادة، حيث لم تغطِّ التدخلات الإغاثية سوى نحو 10% من الاحتياجات المطلوبة خلال العام الجاري.
تعتمد ريم أبو حليب بشكل كامل على "التكايا" لتأمين وجبة الطعام اليومية لأطفالها، بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب. وتقول ريم إن المشكلة لم تعد في توفر الطعام فقط، بل في نوعيته وتكراره بشكل شبه يومي، إذ تعتمد الوجبات غالباً على العدس والمعكرونة والفاصوليا والبرغل، مع غياب شبه كامل للحوم والخضروات الطازجة أو أي تنوع غذائي حقيقي.
وتضيف: "تتكرر الأصناف بشكل يومي، لا يوجد أي تنوع غذائي، وغالباً ما يرفض الأطفال الطعام بسبب التكرار المبالغ فيه في وجبات 'التكية'، منوهة أن هذه الأطعمة لا توفر قيمة غذائية كافية، بل تقتصر على سد الجوع فقط".
وتشير إلى أن هذا النمط الغذائي بدأ ينعكس بشكل مقلق على صحة أطفالها، قائلة إنهم باتوا، على حد تعبيرها، قاب قوسين أو أدنى من سوء التغذية.
في حين يصف محمد عوض الله (39 عاماً)، نازح من رفح ويقيم في خان يونس، الاعتماد على "التكايا" بأنه تحول قاسٍ من حياة كان يستطيع فيها تأمين احتياجات أسرته الغذائية إلى واقع يفتقد فيه أي قدرة على الاختيار أو توفير الطعام.
ويقول إن التكايا أصبحت المصدر الوحيد للطعام بالنسبة له ولأطفاله، رغم محدودية الأصناف وتكرارها اليومي بين العدس والمعكرونة والفاصوليا، وأحياناً كميات قليلة من الأرز، ما يترك انعكاسات واضحة على الحالة الغذائية للأسرة.
ويضيف: "لا مناص، كل حياتنا مرتبطة بالتكايا. أحياناً عدس، وأحياناً مكرونة، وأحياناً إذا توافر الأرز. لكن المشكلة ليست فقط في نوع الطعام، بل في غياب التنوع الغذائي تماماً، وعدم وجود ما يكفي من العناصر الأساسية التي يحتاجها الأطفال".
ويشير إلى أنه يجد نفسه في حالة عجز كامل أمام توفير بديل صحي لأطفاله، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع الاستغناء عن التكايا، لأنها الخيار الوحيد المتاح أمامه لمنعهم من الجوع، ومنع حالة الضجر النفسي الناتج عن تكرار نفس الوجبات بشكل يومي.
معادلة صعبة
من جانبه يقول محمود عبد العزيز منصور، وهو أحد الناشطين في مطابخ التكايا داخل قطاع غزة، إن التحدي الأكبر لم يعد في تشغيل المبادرات الإنسانية فقط، بل في الارتفاع الكبير لأعداد العائلات التي باتت تعتمد عليها كمصدر أساسي شبه وحيد للغذاء اليومي.
ويضيف أن هذا التوسع الهائل في عدد المستفيدين يفرض على القائمين على التكايا خيارات صعبة ومعقدة، تتعلق بطبيعة الوجبات وإمكانية توفير الحد الأدنى من التنوع الغذائي.
ويقول: "نحن أمام معادلة صعبة جداً؛ إذا حاولنا تقديم طعام متنوع لفئة محدودة، سنترك الغالبية تواجه الجوع، وإذا عممنا الوجبات البسيطة، فإننا نضمن على الأقل وصول الطعام إلى أكبر عدد ممكن من العائلات التي لا تملك أي بديل".
ويشير إلى أن القائمين على التكايا يحاولون، قدر الإمكان، إدخال بعض التنوع في الوجبات، لكن هذا الأمر يبقى محدوداً ومشروطاً بإمكانيات شديدة الضيق، في ظل تزايد أعداد النازحين وتراجع الموارد.
ويؤكد أن استمرار الأزمة الإنسانية وتفاقمها، إلى جانب تراجع حجم التمويل الإغاثي، يحدّ بشكل كبير من القدرة على تحسين جودة الوجبات، موضحاً أن جزءاً من هذا التراجع يعود أيضاً إلى انخفاض حجم التبرعات نتيجة ما يصفه بـ"تآكل الاهتمام الإعلامي بالحرب لدى العديد من المتبرعين".
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى تراجع واضح في حجم المساعدات الإنسانية الداخلة إلى القطاع، إذ انخفضت تدفقات الإغاثة بنسبة 37% بين الفترتين التاليتين لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، حيث تراجعت من أكثر من 167,600 طن متري خلال الأشهر الثلاثة الأولى، إلى أقل من 105,000 طن متري بين يناير وأبريل 2026.
ويعزو التقرير هذا الانخفاض إلى قيود على عمليات العبور، وارتفاع معدلات إعادة الشاحنات، إضافة إلى أعطال تقنية في أنظمة الفحص، وهو ما أدى إلى تراجع الإمدادات الغذائية والاحتياجات الأساسية داخل القطاع بشكل ملموس.
من جانبه، كشف مركز غزة لحقوق الإنسان أن قطاع غزة يشهد تفشياً حاداً لسوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة، في مؤشر على تدهور غير مسبوق في الوضع الإنساني بفعل استمرار قيود الاحتلال على دخول المواد الغذائية الأساسية وتدهور الخدمات الصحية، بعد أكثر من 30 شهراً على بدء العدوان العسكري الإسرائيلي.
وأشار المركز إلى أن أكثر من 71,000 طفل دون سن الخامسة يواجهون خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، في وقت تراجعت فيه تدفقات المساعدات بنسبة 37% بين الفترتين الأولى والثانية التاليتين لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
ونبّه المركز الحقوقي إلى أن أكثر من 13 ألف طفل يعانون من وضع شديد الخطورة نتيجة سوء التغذية الحاد، ويحتاجون إلى علاج مكثف وغذاء علاجي فوري لتجنب الوفاة أو تأثيرات صحية طويلة الأمد.
من جانبه قال الدكتور أحمد الفرا، مدير قسم الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي: إن تفشي سوء التغذية الحاد من شأنه أن يؤدي إلى مضاعفات صحية دائمة وحتى وفيات يمكن تجنبها إذا ما توفرت الإمدادات الغذائية والعلاجية في الوقت المناسب.
بالغة القسوة
وأشار إلى أن نسبة الأطفال الذين تم تحديدهم كمصابين بسوء التغذية الحاد خلال الأشهر الأخيرة بلغت نحو 13.5% من الأطفال الذين خضعوا للفحص، فيما ارتفعت هذه النسبة في بعض المناطق إلى مستوى 19%، ما يعكس انتشاراً واسعاً للمرض الغذائي بين السكان المدنيين.
وشدّد على أن وقف إطلاق النار لم يحدث تغييراً نوعياً في الوضع الغذائي في قطاع غزة، وأشار إلى تحذير منظمة الصحة العالمية من أن أكثر من 100 ألف طفل، إضافة إلى نحو 37 ألف امرأة حامل ومرضع، معرضون لسوء التغذية الحاد، منبهاً إلى خطورة ذلك بالنظر إلى ما عاناه الفلسطينيون من مراحل بالغة القسوة من الجوع في الأشهر الماضية، والتي لم يتم التعافي منها حتى الآن.
وأكد أن المشكلة لا تقتصر على حجم المساعدات والبضائع التي تدخل، وإنما على نوعيتها وقيمتها الغذائية، حيث لا تزال عشرات الأصناف ممنوعة من الدخول، بما فيها أنواع من حليب الأطفال والفيتامينات وكذلك الأدوية.
وأوضح أن الإحصاءات المتواصلة من جهات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة تشير كذلك إلى استمرار تسجيل الآلاف من حالات سوء التغذية الحاد على مستوى وحدات العلاج؛ ففي فترات متابعة حديثة تم فحص أكثر من 35,000 طفل بين 6 و59 شهراً، أظهر 4% منهم حالات تستدعي علاجاً غذائياً.
ونبّه إلى أن تصاعد مستويات سوء التغذية بين الأطفال يتزامن مع تدهور شامل في الخدمات الأساسية في غزة، بما في ذلك انقطاع المياه الصالحة للشرب، وتدمير مرافق الصرف الصحي، ونقص الوقود لتشغيل المستشفيات ووحدات العلاج المتخصصة، مما يزيد من المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية.
وحذّر مركز غزة لحقوق الإنسان من أن هذا الوضع التغذوي الحاد يفاقم مخاطر الإصابة بالأمراض، خصوصاً في ظل انهيار أنظمة المياه والصرف الصحي وندرة الوقود لتشغيل الخدمات الحيوية، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للوفاة أو لتأثيرات صحية طويلة الأمد تمتد لسنوات بعد مرحلة النزاع.
وشدّد مركز غزة لحقوق الإنسان على أن استخدام القيود على دخول المواد الأساسية كوسيلة ضغط يمكن أن يُشكل عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني وواجبات الدولة القائمة بالاحتلال في ضمان توفير الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين.