بقلم / علي إبراهيم
لا تتوقف الأخطار المحدقة بالمسجد الأقصى، فمع اقتراب الذكرى العبريّة لاحتلال الشطر الشرقي من القدس المحتلة في 15 أيار/مايو 2026، والمسماة عبريًا "يوم القدس" أو "توحيد القدس"، تصاعدت تحضيرات المنظمات المتطرفة لتحقيق قفزة جديدة في العدوان على الأقصى، خاصة مع تقاطعها مع الذكرى الـ 78 لنكبة الشعب الفلسطيني. وتُشكل هذه الذكرى واحدةً من محطات العدوان على الأقصى والمدينة المحتلة، وتُشير التطورات في الأسابيع الماضية إلى سعي مستويات الاحتلال كافة، تحويل هذا الاقتحام إلى محطة جديدة لتسجيل المزيد من العدوان على الأقصى، خاصة مع تزامنها مع يوم الجمعة، من خلال مطالبة "منظمات المعبد" وداعميها من ساسة الاحتلال بفتح باب الاقتحامات يوم الجمعة، والمضي قدمًا في "مسيرة الأعلام الاستيطانية" وغيرها من تفاصيل تترصد القدس والأقصى.
تصاعد أرقام المقتحمين وتطور أشكال العدوان
شهدت السنوات الماضية تصاعد العدوان على الأقصى، بالتزامن مع الأعياد العبرية، وشكلت المناسبات ذات الطابع الصهيوني "الوطني" مساحات إضافية لتدنيس المسجد، والاعتداء على مكونات الأقصى البشرية، فقد تحولت هذه المناسبات وأبرزها "يوم القدس" إلى محطة لاستعراض القوة وفرض هيمنة الاحتلال على كامل المشهد في القدس والمسجد الأقصى.
ويُظهر تتبع أعداد مقتحمي الأقصى بالتزامن مع هذه المناسبة خلال العقد الماضي قفزات خطيرة، فقد ارتفع العدد من 280 مقتحمًا في عام 2015، ليصل إلى نحو 2181 مقتحمًا في عام 2025. وهذا يؤكد أن أذرع الاحتلال رسخت تحقيق قفزات كبرى في أعداد المقتحمين كجزء لا يتجزأ من عدوانها الممنهج على المسجد. وتشهد الاقتحامات في هذه المناسبة نوعين رئيسيين من الاعتداءات:
النوع الأول، الطقوس اليهوديّة العلنية: وهو مشترك مع الاقتحامات شبه اليومية، وأمثالها من الاقتحامات في الأعياد اليهوديّة، وتتمثل في أداء الطقوس اليهودية العلنية والجماعية في ساحات الأقصى الشرقية، بمشاركة أعدادٍ كبيرة من المستوطنين.
النوع الثاني، الاعتداءات الاستفزازية: وتتركز على رفع علم الاحتلال داخل الأقصى، وغناء النشيد الإسرائيلي "الهاتيكفاه"، وارتداء ملابس تحمل صور العلم، إلى جانب أداء الرقصات والهتافات الداعية لبناء "المعبد" المزعوم، ومشاركة ساسة الاحتلال وشخصيات سياسية سابقة في هذه الاقتحامات.
استهداف "الزمان الإسلامي" واستكمال فصول النكبة
من الواضح سعي أذرع الاحتلال فرض اقتحام الأقصى في يوم الجمعة 15 أيار/مايو القادم، وفي حال فشلوا بذلك فهم يحاولون اقتحام الأقصى مساء يوم الخميس، بالتزامن مع "مسيرة الأعلام"، وفي حال مضي الاحتلال في أيّ منهما، يعني أن أذرع الاحتلال تسخر هذه المناسبة لفرض واقعٍ جديد على الأقصى، وتستبطن أهدافًا تتجاوز مجرد الاستفزاز العابر؛ فهي جزء من محاولات أذرع الاحتلال تكريس أولوية الأعياد اليهودية بمعزل عن أي مناسبات إسلامية، وفتح المجال أمام سلسلة اعتداءات خارج أوقات الاقتحام الاعتيادية.
ويمكن تسليط الضوء على الأبعاد الخطيرة لهذا المخطط من خلال حقيقتين مفصليتين، الأول ترسيخ اقتحام يوم الجمعة وفتح صفحة جديدة من تدنيس الأقصى، حيث يسعى الاحتلال إلى تحويل أي مكتسب جديد إلى حقيقة دائمة على الأرض، واستهداف "الزمان الإسلامي" الخاص الذي يتميز بمركزية يوم الجمعة وكثافة الحضور الإسلامي فيه. وتوجه هذه الخطوة رسالة خطيرة لكيّ الوعي العربي والإسلامي، مفادها أنه لم يعد هناك زمان أو مكان عصيّ على السيادة الإسرائيلية، وأن فكرة "الحصرية الإسلامية" للمسجد الأقصى قد انتهت إلى غير رجعة.
أما الحقيقة الثانية، فهي استكمال فصول النكبة في القدس المحتلة، حيث يتقاطع هذا العدوان بالتقويم العبري مع الذكرى العبرية لاحتلال الشطر الشرقي من القدس، ولكنه يتزامن بالتقويم الميلادي مع ذكرى "النكبة"، ما يجعل الاقتحام أو مسيرة الأعلام في هذه المناسبة تحمل رسائل مضاعفة، خاصة مع الشعارات التي يرفعها المستوطنون في "مسيرة الأعلام" الاستيطانية والتي تؤكد على تكرار النكبة، وأن "انتصار" الاحتلال لا يُمكن أن يتم من دون "نكبة" جديدة، ويأتي هذا التصعيد ليمثل "نكبة" من نوع آخر داخل الأقصى، تتمثل بفرض الوجود اليهودي، وتفريغ المسجد من هويته، وإحلال الرواية والطقوس اليهودية داخله وصولاً إلى فرض السيادة.
حشد سياسي غير مسبوق وتضافر أذرع الاحتلال
تتضافر جهود أذرع الاحتلال المختلفة للمضي قدماً في هذا العدوان، بدءًا من دعوات المنظمات المتطرفة لحشد أنصارها، مروراً بالرعاية الرسمية عبر عرائض الساسة، وصولاً إلى ردود الفعل الرسمية من قادة الأجهزة الأمنية والمستويات العليا لفرض هذه الاقتحامات أو تأمين "مسيرة الأعلام".
وقد أخذ الإسناد السياسي مسارًا تصعيديًا، إذ نشرت "منظمات المعبد" في 11 أيار/مايو 2026 عريضة جديدة موجهة لقائد شرطة الاحتلال داني ليفي، وقائد شرطة القدس أفشالوم بيليد، تطالب بفتح الأقصى يوم الجمعة أمام المستوطنين بشكل يعبر عن سيادة الاحتلال. وما يميز هذه العريضة هو توقيع 22 سياسيًا صهيونيًا عليها، 19 من بينهم من حزب "الليكود" الحاكم، وثلاثة من حزب "الصهيونية الدينية". ومن بين الموقعين تسعة وزراء بارزين، على رأسهم نائب رئيس الوزراء وزير العدل ياريف ليفين، ووزير الحرب إسرائيل كاتس. ويُشير هذا الثقل السياسي إلى سعي رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو إلى استعراض امتلاكه لقرار الاقتحام، وهو ما يعني تحيّن نتنياهو الفرصة المناسبة لإقرار الاقتحام، أو عدم التصريح بالسماح به علنيًا، مع تمريره في حال تراجع كثافة الحضور الإسلامي في الأقصى قبل صلاة الجمعة أو بعد صلاة العصر.
"مسيرة الأعلام" وزخم التحدي الشعبي
تُعد "مسيرة الأعلام" أبرز محاولات اليمين لاستعراض القوة في القدس المحتلة، وتوجيه رسائل تتعلق بالسيطرة على شطري المدينة المحتلة، وسعي الكيان إلى القضاء على المقاومة، وتجديد النكبة، وكشفت مصادر عبرية بأن شرطة الاحتلال ستؤمن المسيرة يوم الخميس في 14/5/2026، وتتوقع مصادر الاحتلال مشاركة نحو 50 ألف مستوطن في هذه المسيرة، وستنطلق المسيرة من الشطر الغربي للقدس المحتلة، وتصل إلى باب العامود، ويُشارك في هذه المسيرة عادة عددٌ من الشخصيات الرسمية العبرية، من وزراء وأعضاء في "الكنيست"، ويُطلق المشاركون فيها هتافات عنصرية وشتائم بحق العربي والمسلمين، والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
سبل المواجهة وإفشال المخطط
أمام هذه الأخطار المحدقة، من أوجب الواجبات سعي كل قادرٍ على إفشال هذه الاقتحامات، وإن كانت المسيرة تُفرض من خلال القوة والحشد البشري الاستيطاني الضخم، إلا أن الاقتحام يُمكن التصدي له عبر تكثيف الرباط وشد الرحال إلى الأقصى يومي الخميس والجمعة 14-15/5/2026، فمن الضروري تعزيز الرباط في المسجد الأقصى بدءًا من صلاة ظهر يوم الخميس، ومن ثم من صلاة فجر يوم الجمعة 15 أيار/مايو.
وفي سياق الرباط، وعلى الرغم من محاولات الاحتلال الحثيثة منع الاعتكاف في الأقصى، إلا أن تحديث قيود الاحتلال وإعادة الاعتكاف داخل المسجد ليلة الجمعة، واستمرار الحضور الإسلامي الكثيف، خطوة مهمة لإفشال أي محاولة من قبل أذرع الاحتلال الأمنية للالتفاف على الحشد البشري الإسلامي. وأخيرًا، استعادة زخم التضامن العربي والإسلامي، في نقطة مفصلية، تسعى فيها أذرع الاحتلال إلى استعادة النكبة من بوابة الحسم في الأقصى، وأن الدفاع عن المسجد جزءٌ لا يتجزأ من أي فعلٍ متضامن مع فلسطين.