قائمة الموقع

"يوروفيجن" يتحول إلى مرآة لانقسام أوروبا حول غزة ويشعل جدلاً سياسياً واسعاً

2026-05-17T09:20:00+03:00
شهاب - وكالات

شكّلت مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» على مدار سبعين عاماً واحدة من أبرز الفعاليات الموسيقية في أوروبا والعالم، حيث تحولت من مجرد منافسة غنائية إلى منصة ثقافية وسياسية تعكس التحولات الاجتماعية والانقسامات الدولية، إلى جانب كونها مساحة لصناعة النجوم وإعادة تشكيل الذائقة الموسيقية الجماهيرية.

ومنذ انطلاقها، استضافت المسابقة أسماء فنية لامعة مثل فرقة «آبا» السويدية والمغنية الكندية سيلين ديون، لتصبح لاحقاً رمزاً للتكامل الأوروبي ومنبراً يجمع فنانين من مختلف الدول، يتم اختيارهم عبر هيئات البث الرسمية في بلدانهم. ومع اقتراب النسخة الجديدة التي تُقام في فيينا هذا العام بالتزامن مع الذكرى السبعين لتأسيسها، تعود «يوروفيجن» إلى الواجهة وسط جدل سياسي متصاعد ومقاطعات مرتبطة بمشاركة إسرائيل.

ورغم طابعها الترفيهي، لم تكن المسابقة يوماً بعيدة عن التوترات الجيوسياسية. فقد شهد تاريخها انعكاساً مباشراً للصراعات الدولية، بدءاً من مرحلة الحرب الباردة وغياب دول الكتلة الشرقية، مروراً باحتجاجات ستينيات القرن الماضي على أنظمة الحكم في إسبانيا والبرتغال، وصولاً إلى الانسحاب اليوناني عام 1974 عقب الغزو التركي لقبرص، إضافة إلى تأثيرات النزاعات بين جورجيا وروسيا، وأرمينيا وأذربيجان.

وفي عام 2022، جرى استبعاد روسيا من المشاركة عقب غزوها لأوكرانيا، قبل أن تحصد الأخيرة الفوز عبر فرقة «كالوش أوركسترا»، في واحدة من أكثر النسخ ارتباطاً بالظروف السياسية في القارة الأوروبية.

وفي السياق ذاته، تأثرت نسخة هذا العام من «يوروفيجن» بشكل واضح بتداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ أعلنت عدة دول مقاطعتها أو اعتراضها على مشاركة إسرائيل، وهو ما أعاد النقاش حول حدود الفصل بين الفن والسياسة داخل المسابقة، خاصة في ظل تصاعد ردود الفعل الشعبية والحقوقية.

ومع توسع المسابقة لتشمل دول أوروبا الشرقية في مطلع الألفية الثالثة، تحولت «يوروفيجن» إلى أداة رمزية لتعزيز الهوية الأوروبية، وفق ما يشير إليه خبراء في الشأن الثقافي، حيث ساهمت في ترسيخ حضور دول كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق ضمن الفضاء الأوروبي، مثل أوكرانيا وإستونيا، التي وظفت المشاركة لتأكيد استقلالها وهويتها السياسية والثقافية.

كما لم تقتصر المسابقة على التمثيل الوطني، بل أصبحت مساحة لتقاطع الثقافات وتداخلها، مع ازدياد الأغاني متعددة اللغات وتقديم عروض تعكس تنوعاً ثقافياً متزايداً داخل أوروبا، في مؤشر على التحولات الاجتماعية التي رافقت تطور المسابقة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، تحولت «يوروفيجن» إلى منصة لطرح قضايا إنسانية واجتماعية حساسة، حيث شهدت عبر تاريخها مشاركات تناولت قضايا المثلية الجنسية، والإعاقة، والعنصرية، والإرث الاستعماري، ما جعلها مساحة مفتوحة للتعبير الفني خارج الأطر التقليدية.

وفي عام 2015، برزت مشاركة فرقة موسيقية تضم فنانين من ذوي الإعاقة، فيما أثارت أعمال أخرى في السنوات اللاحقة نقاشات واسعة حول قضايا الجندر والحرية الفردية والهوية، ما عزز صورة المسابقة كمنصة تتجاوز حدود الترفيه إلى النقاش الاجتماعي.

كما لعبت «يوروفيجن» دوراً محورياً في صناعة النجومية العالمية، إذ كانت نقطة انطلاق لعدد من أبرز الأسماء الموسيقية، وعلى رأسها فرقة «آبا» التي حققت شهرة عالمية بعد فوزها في سبعينيات القرن الماضي، إلى جانب فنانين آخرين مثل سيلين ديون، وصولاً إلى فرق حديثة حققت انتشاراً عالمياً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى دون الفوز بالمسابقة.

ورغم الانتقادات التي وُجهت لها في فترات سابقة باعتبارها مسابقة «سطحية» أو ذات طابع استعراضي، استعادت «يوروفيجن» مكانتها الثقافية في العقد الأخير، خاصة بعد موجة تجديد في هويتها البصرية والفنية، ما أعاد إليها جمهوراً واسعاً في أوروبا وخارجها.

ويرى مراقبون أن المسابقة باتت اليوم أكثر من مجرد حدث موسيقي، بل مرآة تعكس التحولات السياسية والاجتماعية في القارة الأوروبية، ومنصة يتقاطع فيها الفن مع الهوية والذاكرة والجدل السياسي، في مشهد يجعل من «يوروفيجن» حدثاً سنوياً يتجاوز حدود الغناء نحو صناعة المعنى الثقافي المشترك.

اخبار ذات صلة