تباينت قراءات الإعلام العبري والتقديرات الأمنية والسياسية في إسرائيل حول تداعيات اغتيال قائد كتائب القسام عز الدين الحداد، بين من اعتبره “إنجازًا استخباراتيًا مهمًا” ضمن سلسلة عمليات الاغتيال منذ 7 أكتوبر، وبين من شدد على أنه لا يغيّر جوهر المعادلة في قطاع غزة ولا يقود إلى حسم استراتيجي للصراع مع حركة حماس.
وفي هذا السياق، قال المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي السابق ميخائيل ميلشتاين إن اغتيال الحداد يمثل “إنجازًا مهمًا” للاحتلال، لكنه لا يعني بأي حال من الأحوال تحقيق “حسم استراتيجي” أو انهيار بنيوي في بنية حركة حماس.
وأضاف ميلشتاين أن سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر ضد قادة المقاومة لم تؤدِّ إلى تفكك تنظيمي أو انهيار داخلي في أي من الفصائل المستهدفة، مشيرًا إلى أن التجربة الإسرائيلية الممتدة لأكثر من نصف قرن تؤكد أن “الاغتيالات تحقق إنجازات تكتيكية لكنها لا تحسم الحروب”.
ولفت إلى أن بعض العمليات السابقة أسهمت حتى في إنتاج قيادات أكثر صلابة وكفاءة من سابقاتها، مستشهدًا بصعود قيادات في حزب الله بعد اغتيالات سابقة، معتبرًا أن الحركات المسلحة غالبًا ما تُعيد إنتاج نفسها بدل أن تتفكك.
وبحسب ميلشتاين، فإن عز الدين الحداد، خلال فترة قيادته للجناح العسكري، عمل على إعداد الحركة لمرحلة ما بعد استهدافه، من خلال إعادة بناء المنظومة العسكرية، وتعيين قادة جدد، وتوسيع عمليات التجنيد، وإعادة تأهيل الوحدات القتالية، بما يضمن استمرار البنية العسكرية حتى في ظل الاغتيالات.
كما أشار إلى أن حركة حماس عززت في الوقت نفسه مؤسسات الحكم في قطاع غزة، بما يسمح لها بالاستمرار كقوة مهيمنة رغم الضربات العسكرية المتواصلة، مؤكداً أنه لا توجد فجوات استراتيجية داخل القيادة بشأن ملف السلاح، وأن القرارات الأساسية تُتخذ ضمن القيادة السياسية للحركة في الخارج.
واعتبر ميلشتاين أن الحديث عن إمكانية أن يؤدي اغتيال الحداد إلى تسريع مسار التسوية أو التهدئة “تقديرات ثبت فشلها سابقًا”، مضيفًا أن “اليوم التالي” للاغتيال لن يكون مختلفًا عن سابقه، في ظل استمرار المعضلات الإسرائيلية دون حلول حاسمة.
في موازاة ذلك، قدّم المحلل السياسي الإسرائيلي بن كسبيت في صحيفة “معاريف” قراءة أكثر حدة للواقع، معتبرًا أن أهداف عملية “طوفان الأقصى” من وجهة نظر قادة حماس، وعلى رأسهم يحيى السنوار ومحمد الضيف، قد تحققت جزئيًا، وفي مقدمتها وقف مسار التطبيع مع السعودية وبقاء حماس في حكم قطاع غزة.
وأكد كسبيت أن إسرائيل فشلت في تحقيق ما وصفه بنيامين نتنياهو بـ”النصر المطلق”، رغم حجم الدمار والعمليات العسكرية والاغتيالات التي نُفذت خلال الحرب، مشيرًا إلى أن الحركة ما تزال تسيطر على غزة بعد أكثر من عامين من القتال.
وأضاف أن كل عملية اغتيال تطال قائدًا في حماس تقابلها إعادة إنتاج للقيادة، قائلاً إن “كل قائد يُغتال يظهر بديل له”، في إشارة إلى استمرار دورة القيادة داخل كتائب القسام.
ورأى أن حماس أثبتت قدرتها على الاستمرار كتنظيم “شديد الخطورة والفتك” رغم الخسائر الكبيرة، مستشهدًا بما اعتبره إخفاقًا إسرائيليًا في تفكيك بنيتها العسكرية والسياسية، وبفشل الحكومة في فرض واقع جديد في القطاع أو بلورة تصور واضح لـ”اليوم التالي”.
أما محرر الشؤون الفلسطينية في قناة “كان” العبرية إليؤور ليفي، فقد ذهب في الاتجاه نفسه، مؤكدًا أن اغتيال الحداد لن يغيّر الواقع الميداني، وأن تجارب سابقة أظهرت أن اغتيال القيادات لم يدفع حماس إلى تغيير مسارها.
وأشار إلى أن الحركة استغلت فترات التهدئة لإعادة تنظيم جناحها العسكري، وتجنيد عناصر جديدة، وتعيين قادة ألوية ومسؤولين ميدانيين جدد، متوقعًا أن يتم خلال فترة قصيرة تعيين قائد جديد لكتائب القسام لمواصلة نفس النهج القتالي.
أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نقلًا عن المحلل العسكري والأمني رون بن يشاي، أن عملية اغتيال الحداد لا تعني إنهاء حكم حماس في قطاع غزة، لكنها تُحدث تأثيرًا مباشرًا على تماسك القيادة العسكرية داخل القطاع، عبر إضعاف ما وصفه بـ"الفصيل المتشدد" وتقليص القدرة على اتخاذ القرار.
وتشير "يديعوت أحرونوت" إلى أن إسرائيل ترى في العملية رسالة ردع إضافية لقيادة حماس، مفادها أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قادرة على الوصول إلى القيادات حتى داخل أماكن اختبائهم، بما قد يعزز—بحسب التقديرات الإسرائيلية—الدفع نحو مغادرة بعض القيادات للقطاع.
وفي المقابل، تؤكد التقديرات الواردة في الصحيفة أن اغتيال الحداد لن يغيّر جوهر المشهد في غزة، لكنه سيؤثر على المزاج القيادي داخل حماس، وعلى توازنات النقاشات الداخلية، خصوصًا في ما يتعلق بملف السلاح ومستقبل الحركة في القطاع.
وبين هذه القراءات، يتضح أن جزءًا واسعًا من التحليل الإسرائيلي بات يميل إلى الاعتراف بأن سياسة الاغتيالات، رغم ما تحققه من "إنجازات أمنية"، لم تنجح في كسر بنية المقاومة أو إنهاء حكم حماس في غزة، وأن “اليوم التالي” لأي اغتيال يبقى، وفق التوصيف الإسرائيلي ذاته، امتدادًا لما قبله دون تغيير جوهري في ميزان القوى