قائمة الموقع

"ذو الحجة" الثالث.. وغزة خارج مواسم الحياة

2026-05-19T12:31:00+03:00
وكالة شهاب

د. سفيان قديح

يدخل موسم "ذو الحجة" هذا العام على قطاع غزة بصورة مختلفة وقاسية، بينما ما تزال الحرب مستمرة للشهر الطويل الذي تجاوز كل ما عرفه الفلسطينيون من حروب سابقة منذ احتلال فلسطين. إنها الحرب الأطول والأشد والأكثر استنزافًا لكل تفاصيل الحياة، حتى بات الفلسطيني في غزة يشعر أن الزمن نفسه توقف عند مشهد الدمار والجوع والنزوح والموت اليومي.

لكن ما يجعل هذا الموسم أكثر وجعًا أن غزة تستقبل "ذو الحجة" بلا أضاحٍ تقريبًا، للمرة الأولى بهذا الشكل الكارثي، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الأضاحي والمواشي إلى القطاع منذ بداية الحرب، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا ضمن سياسة ممنهجة تستهدف تدمير البنية الحياتية والاقتصادية والاجتماعية والدينية للشعب الفلسطيني.

لقد ارتبط موسم الأضاحي لدى الفلسطينيين، كما في العالم الإسلامي كله، بمعاني العبادة والتكافل والفرح الاجتماعي، حيث كانت الأضحية تمثل نافذة أمل للفقراء والأسر المحتاجة، ومناسبة يشعر فيها الناس بشيء من الكرامة الإنسانية رغم ظروف الحصار والفقر المتراكمة. أما اليوم، فقد تحولت هذه الشعيرة إلى حلم بعيد المنال، بعدما أصبحت غزة معزولة عن كل أسباب الحياة الطبيعية.

ولم يتوقف الأمر عند منع إدخال الأضاحي فقط، بل امتدت الحرب لتطال الثروة الحيوانية نفسها داخل القطاع. فقد تعرضت مزارع المواشي والدواجن للتدمير المباشر بفعل القصف، ونفقت أعداد هائلة من الحيوانات نتيجة الاستهداف أو الجوع أو انعدام الرعاية البيطرية، في وقت يمنع فيه الاحتلال إدخال الأعلاف والحبوب والاحتياجات الأساسية اللازمة لاستمرار دورة الإنتاج الحيواني.

إن منع الأعلاف لا يقل خطورة عن منع الغذاء عن البشر؛ لأن استهداف الثروة الحيوانية يعني تدمير القدرة المستقبلية للمجتمع على التعافي وإعادة بناء أمنه الغذائي. فالحرب لم تعد تقتصر على القصف العسكري، بل أصبحت حربًا شاملة على كل مقومات البقاء، بدءًا من الإنسان، مرورًا بالحجر والشجر، وصولًا إلى النبات والحيوان، وكل ما يمكن أن يساعد الفلسطيني على الصمود فوق أرضه.

وفي غزة اليوم، لا يواجه الناس أزمة غذاء فقط، بل يواجهون انهيارًا كاملًا في البيئة الحياتية. الأراضي الزراعية جُرفت، والآبار استهدفت، وأشجار الزيتون والحمضيات أُحرقت أو اقتُلعت، والمزارع تحولت إلى مناطق مدمرة. حتى البحر، الذي كان مصدر رزق لآلاف الصيادين، أصبح ساحة خطر وموت وملاحقة مستمرة.

ووسط هذا الخراب الكبير، يأتي موسم الحج هذا العام في وقت يُحرم آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة من أداء الفريضة، في مشهد يحمل أبعادًا إنسانية ودينية مؤلمة للغاية. فالكثير من كبار السن والمرضى، ومن انتظروا سنوات طويلة لتحقيق حلم الحج، وجدوا أنفسهم أسرى الحرب والحصار والإغلاق، غير قادرين حتى على مغادرة القطاع.

إن منع أهل غزة من الوصول إلى الحج، بالتوازي مع منع الأضاحي وتدمير الثروة الحيوانية والزراعية، يكشف أن ما يجري يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، ليدخل في إطار محاولة كسر المجتمع الفلسطيني نفسيًا وإنسانيًا ودينيًا، وتجريده من مظاهر الحياة الطبيعية والشعور الإنساني بالأمان والاستقرار.

ورغم كل هذا الألم، ما يزال الفلسطيني في غزة يحاول التمسك بالحياة. فوسط الركام ما تزال العائلات تتقاسم ما تيسر من الطعام، وما تزال أصوات التكبير ترتفع من المساجد المدمرة، وما تزال الأمهات يزرعن في أطفالهن معنى الصبر والإيمان، على الرغم من كل ما يحيط بهم من خوف وفقدان.

اخبار ذات صلة