قائمة الموقع

من الأضاحي إلى الركاب: "العجّالة" في غزة بين عيدٍ غائب وحربٍ حاضرة

2026-05-19T14:19:00+03:00
وكالة شهاب

 

خاص / شهاب

كانت عربات "العجّالة" في قطاع غزة تظهر محمّلة بالأضاحي القادمة من المزارع أو المعابر نحو الأسواق في مثل هذه الأيام من كل عام، في مشهد يرتبط عادة بقرب عيد الأضحى المبارك، حيث تنشط حركة بيع وشراء العجول والخراف لدى الأعياد.

لكن هذا المشهد تغيّر بشكل كامل خلال الحرب المستمرة على القطاع، ولم تعد "العجّالة" وسيلة لنقل الأضاحي ليس لانعدام وجود الأضاحي في غزة للسنة الثالثة على التوالي، بل لأنها تحولت إلى وسيلة نقل بديلة يعتمد عليها السكان في تنقلاتهم اليومية، في ظل الانهيار شبه الكامل لمنظومة المواصلات.

الشاب إدريس أبو العنين (23 عاماً) يستخدم إحدى هذه العربات في التنقل داخل مدينة غزة بشكل يومي. ويقول إن "العجّالة كانت قبل الحرب تُستخدم لنقل المواشي إلى الأسواق، أما اليوم فهي من أكثر وسائل النقل شهرة بسبب غياب وسائل النقل التي دمرها الاحتلال خلال الإبادة على غزة".

وسائل نقل متهالكة

تنتشر هذه العربات المعدنية أو الخشبية بشكل واسع في مختلف شوارع قطاع غزة، حيث تُسحب خلف سيارات متهالكة أو تُجرّ بواسطة عربات تجرها الحيوانات، لتتحول إلى وسيلة نقل بديلة تفرضها الظروف القاسية على الأرض. وتُستخدم هذه العربات في نقل السكان بين مراكز النزوح والمستشفيات والأسواق وأماكن العمل، في ظل أزمة خانقة في الوقود وتضرر كبير طال البنية التحتية وشبكة المواصلات العامة والخاصة.

ويعكس هذا المشهد حجم الدمار الواسع الذي طال مختلف القطاعات الحيوية في القطاع، بما في ذلك شبكات الطرق والمرافق العامة والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان بشكل يومي في تسيير حياتهم، ما أدى إلى تغيّر جذري في شكل الحركة والتنقل داخل المدن وبين المناطق المختلفة.

وفي السياق ذاته، تؤكد وزارة النقل والمواصلات في غزة أن قرابة 70% من المركبات في القطاع تعرضت لأشكال متعددة من التدمير خلال الحرب، سواء عبر الاستهداف المباشر أو نتيجة الانهيار العام في البنية التشغيلية ونقص قطع الغيار والوقود، الأمر الذي أدى إلى تقلص كبير في عدد وسائل النقل المتاحة، وارتفاع الاعتماد على بدائل غير آمنة ومتهالكة للتنقل داخل المدن وبين المحافظات.

من جانبه يقول علاء أبو دية (40 عاماً)، موظف في إحدى المؤسسات الدولية، إنه يعيش يومياً ما يشبه "معادلة الوصول" إلى مقر عمله في مدينة دير البلح وسط القطاع في الوقت المطلوب، حيث يضطر إلى مغادرة منزله في حي الشيخ رضوان شمالي غزة عند الساعة السابعة صباحاً، رغم أن عمله يبدأ في التاسعة.

ويقول أبو دية: "أضطر إلى مغادرة المنزل قبل موعد العمل بساعتين أو أكثر من أجل ضمان الوصول في الموعد المحدد، وذلك ناتج عن أزمة المواصلات المتفاقمة وتقلص أعداد السيارات في ساعات الصباح الباكر".

ويضيف أن الوصول إلى العمل بات تحدياً يومياً بسبب الاعتماد على وسائل نقل متهالكة، مشيراً إلى أن "أزمة المواصلات لا تتعلق فقط بالتأخير، بل أيضاً بانعدام الراحة وانعدام معايير السلامة في معظم المركبات المتوفرة وخاصة "العجالة"".

هذا التدهور في قطاع النقل والمواصلات دفع السكان إلى الاعتماد على بدائل غير آمنة، من بينها "العجّالة"، ومركبات "التوك توك"، والعربات التي تجرها الحيوانات، ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة الأفراد على الوصول في الوقت المحدد إلى أعمالهم ومرافقهم الحيوية.

وفي أحد مظاهر هذا الواقع، أصبحت "العجّالة" بالنسبة لبعض السكان خياراً يُنظر إليه كـ"إنجاز" في حد ذاته، لأنه يضمن وصولاً أسرع نسبياً مقارنة بالعربات التي تجرها الحيوانات، والتي تتحرك ببطء شديد بين الطرق المدمرة.

غياب الأضاحي

وفي موازاة ذلك، تشهد غزة هذا العام غياباً شبه كامل لمشهد "العجّالات" المحمّلة بالأضاحي، الذي كان يُعدّ جزءاً أساسياً وثابتاً من طقوس ومظاهر موسم عيد الأضحى في القطاع خلال السنوات الماضية. فالعربات التي كانت تتنقل بين المزارع والمعابر والأسواق وهي محمّلة بالأغنام والعجول، لم تعد حاضرة مطلقاً، في ظل التراجع الحاد في أعداد المواشي، وتضرر منظومة الإنتاج الحيواني، إلى جانب القيود المستمرة على إدخال الأضاحي إلى القطاع، ما أدى إلى اختفاء هذا المشهد الموسمي الذي كان يرتبط تقليدياً بأجواء الاستعداد للعيد وحركة الأسواق الشعبية.

وبحسب وزارة الزراعة في غزة، فقد تعرض القطاع الزراعي والثروة الحيوانية لخسائر تُقدّر بنحو 3.94 مليار دولار، مع تراجع حاد في الإنتاج نتيجة تدمير المزارع ونفوق أعداد كبيرة من المواشي.

وتشير الوزارة إلى أن نسبة الخسائر في الثروة الحيوانية تجاوزت 90%، فيما تستمر القيود على إدخال المواشي إلى القطاع، ما أدى إلى غياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي.

وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة أدهم عسلية إن غزة "تعيش غياباً كاملاً للأضاحي للعام الثالث"، موضحاً أن أعداد المواشي في القطاع تراجعت بشكل كبير، مع فقدان معظم الثروة الحيوانية خلال الحرب.

بين مشهدين متناقضين يفصل بينهما زمن الحرب، كانت "العجّالة" قبل سنوات قليلة جزءاً من موسم الأضحى، تُستخدم لنقل الأضاحي من المزارع والمعابر إلى الأسواق الشعبية في قطاع غزة، أما اليوم، فقد تبدّل هذا الدور بالكامل، لتتحول "العجّالة" إلى وسيلة نقل اضطرارية يعتمد عليها السكان في تنقلاتهم اليومية، في ظل أزمة مواصلات خانقة وواقع معيشي بالغ الصعوبة.

اخبار ذات صلة