أصدرت جمعية الدراسات العربية دراسة جديدة تتناول ستة عقود من السياسات الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة، تحت عنوان: “قراءة إحصائية جغرافية ديمغرافية اجتماعية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه واقع القدس الشرقية”. وترصد الدراسة، التي أعدّها الدكتور عزمي أبو السعود والأستاذ وسام عبد اللطيف، التحولات العميقة التي شهدتها المدينة المقدسة عبر ستة محاور رئيسية تشمل: الديمغرافيا والإقامة، الأرض والاستيطان، الهدم والقانون، التعليم، الصحة، والاقتصاد، بالاستناد إلى مصادر إسرائيلية رسمية، وفلسطينية، ودولية.
وتشير الدراسة إلى أنه في 4 حزيران/يونيو 1967، لم يكن عدد المستوطنين الإسرائيليين داخل حدود ما أصبح لاحقاً بلدية القدس الموحّدة يتجاوز بضعة آلاف، بينما ارتفع العدد اليوم إلى نحو 234 ألف مستوطن وفق آخر إحصاء صادر عن مركز القدس للعلاقات الخارجية، بما يعكس نمواً يقارب 27 ضعفاً خلال 58 عاماً، وهو ما تصفه الدراسة بأنه نتيجة سياسات منهجية موثقة بالأرقام والقوانين والمخططات.
وعلى الصعيد الديمغرافي والقانوني، تكشف الدراسة أنه بين عامي 1967 و2024 جرى إلغاء 14,809 هويات مقدسية، استناداً إلى بيانات وزارة الداخلية الإسرائيلية المنشورة عبر مركز “هموكيد” لحقوق الفرد، مع تسجيل ذروة الإلغاءات في عام 2008 بواقع 4,577 حالة، وفي عام 2006 بنحو 1,363 حالة. وتوضح أن الأساس القانوني الأبرز لهذه السياسة يتمثل في معيار “مركز الحياة” الذي أقرته محكمة العدل العليا الإسرائيلية في قضية عوض ضد رئيس الوزراء، والذي يربط فقدان الإقامة بمغادرة حدود البلدية لفترات طويلة.
وتوضح الدراسة أن الفلسطينيين في القدس الشرقية يُصنّفون قانونياً كـ“مقيمين دائمين” وفق قانون الدخول إلى إسرائيل لعام 1952، وليسوا مواطنين، وهو تصنيف يُستخدم بحق الأجانب. كما تشير إلى قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل لعام 2003، الذي أيّدته المحكمة العليا مرتين، والذي يقيّد جمع شمل العائلات الفلسطينية ويمنع منح الإقامة أو المواطنة عبر الزواج. وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2024، حصل 13,550 شخصاً فقط على وضع قانوني ضمن طلبات جمع الشمل، بينهم 4,300 إقامة دائمة و5,250 إقامة مؤقتة، بينما بقي الباقون في وضع قانوني غير مستقر.
وفي ما يتعلق بالجغرافيا والأرض، تعتمد الدراسة ثلاثة مؤشرات رئيسية: مصادرة 35% من أراضي القدس الشرقية (24 كم²) استناداً إلى قوانين تعود لفترة الانتداب البريطاني، وتصنيف 52% من الأراضي كمناطق خضراء يُمنع البناء فيها وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مقابل 13% فقط متاحة للبناء الفلسطيني. كما توضح أن مساحة بلدية القدس توسعت من 33,500 دونم عام 1952 إلى 108 آلاف دونم بعد ضم 1967، ثم إلى 126,600 دونم عام 1993، عبر ضم أراضٍ تشمل 28 قرية ومدينة عربية دون سكانها.
وتسجل الدراسة تصاعداً في عمليات الهدم في القدس الشرقية بين 2009 و2025، حيث جرى هدم 2,124 مبنى وفق بيانات “أوتشا” وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحافظة القدس، مع ذروة بلغت 207 مبانٍ عام 2019، و178 مبنى في 2025، استناداً إلى قانون التنظيم والبناء لعام 1965. وتشير إلى أن ما بين 32% و48% من المنازل الفلسطينية بُنيت دون تراخيص، ما يضع ما بين 86,500 و130,000 مقدسي تحت تهديد دائم بهدم منازلهم.
وفي قطاع التعليم، ترصد الدراسة تحولاً تدريجياً نحو المنهاج الإسرائيلي، حيث ارتفع عدد الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون “البجروت” من ألف طالب فقط في عام 2012/2013 إلى 16,808 خلال عقد واحد. كما خصصت الخطة الخماسية الإسرائيلية 2024–2028 ميزانية 3.2 مليار شيقل، منها 800 مليون شيقل للتعليم الأساسي والثانوي و300 مليون شيقل للمدارس التي تعتمد المنهاج الإسرائيلي، وارتفع عدد هذه المدارس من 54 إلى 95 مدرسة بين 2022 و2023. وتوزع الإشراف التعليمي بين الأوقاف (51 مدرسة)، والمدارس الخاصة (84)، ووكالة الأونروا (6)، مقابل 74 مدرسة تديرها وزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية القدس، تستوعب نحو 45.6% من الطلبة.
أما اقتصادياً، فتشير الدراسة إلى أن 78% من الفلسطينيين في القدس الشرقية يعيشون تحت خط الفقر، وترتفع النسبة إلى 84% بين الأطفال، رغم وصول الناتج المحلي إلى 1.3 مليار دولار عام 2019. كما تبلغ مشاركة الرجال في سوق العمل 69% مقابل 26% للنساء، في حين تبلغ البطالة 7.6% مقارنة بـ4% في القدس الغربية. ولا تتجاوز نسبة العاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة 0.9% بين المقدسيين مقابل 8% بين اليهود الإسرائيليين.
وفي القطاع الصحي، تؤكد الدراسة أن القدس الشرقية تضم سبعة مستشفيات فلسطينية فقط، جميعها أُسست قبل عام 1967، وتستقبل نحو 20 ألف تحويلة طبية سنوياً من الضفة الغربية وقطاع غزة، ما يشكل 39.39% من إجمالي التحويلات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية. وتواجه هذه المستشفيات نقصاً حاداً في الأدوية وهجرة الكوادر الطبية. وفي المقابل، خصصت الخطة الخماسية الإسرائيلية 98.5 مليون شيقل لتوسيع خدمات الرعاية الاجتماعية، ضمن ما تصفه الدراسة بـ“التدخل الناعم” الذي يعزز التبعية للمؤسسات الإسرائيلية، إلى جانب إغلاق مرافق وكالة “الأونروا” في القدس عام 2024.
وعلى الصعيد القانوني الدولي، تشير الدراسة إلى أن هذه السياسات تتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان إلى الأراضي المحتلة وتدمير الممتلكات إلا لضرورة عسكرية، إضافة إلى لوائح لاهاي لعام 1907 التي تحمي الملكية الخاصة. كما تستعرض قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، خاصة القرار 478 لعام 1980 الذي اعتبر قانون ضم القدس باطلاً، والقرار 2334 لعام 2016 الذي أكد عدم شرعية الاستيطان. كما تستند إلى رأيي محكمة العدل الدولية عامي 2004 و2024، الأخير الذي وصف السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية بأنها “ضم غير قانوني” وألزم الدول بعدم الاعتراف به.
وتخلص الدراسة إلى أن السياسات الإسرائيلية في القدس تستند إلى منظومة تشريعية متكاملة تشمل ثمانية قوانين رئيسية، من بينها قانون أساس القدس (1980)، وقانون الدخول إلى إسرائيل (1952)، وقانون المواطنة (2003)، وقانون أملاك الغائبين (1950)، وقانون التنظيم والبناء (1965)، وغيرها، وتعمل ضمن خمسة مبادئ تشغيلية هي: التهويد، الأسرلة، التهجير، الطرد والإحلال، والعزل.
وتشير في ختامها إلى أن القدس الشرقية اليوم هي نتيجة تراكم ستة عقود من هذه السياسات، إذ تضم 234 ألف مستوطن، و14,809 إلغاء لهويات مقدسية، و2,124 مبنى مهدماً منذ 2009، ونحو 130 ألف مقدسي مهدد بفقدان منزله، فيما يعيش 78% من سكانها تحت خط الفقر، في واقع ديمغرافي واجتماعي واقتصادي مختلف جذرياً عما كان عليه عام 1967.