خاص / شهاب
رفضت حركة "حماس" الاتهامات المتعلقة بتمسكها بإدارة قطاع غزة، مؤكدة أنها أعلنت مراراً استعدادها لتسليم إدارة القطاع إلى لجنة وطنية فلسطينية، لكنها أوضحت أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع هذه اللجنة من الوصول إلى غزة وتولي مهامها على الأرض.
وقالت الحركة إن ما ورد في تقرير نُسب إلى "مجلس السلام" في غزة، والذي رُفع إلى مجلس الأمن، يتجاهل الحقائق الميدانية المتعلقة بتعطيل تنفيذ التفاهمات الخاصة بإعادة إعمار القطاع، محملة الاحتلال المسؤولية عن استمرار عرقلة أي تقدم في هذا المسار.
وأضافت "حماس" أن تحميلها مسؤولية تعطيل الإعمار يشكل "قراءة مجتزأة ومسيّسة للواقع" ، من شأنها صرف الأنظار عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، وتقويض مسار الاتفاق ومراحله المتفق عليها.
تأتي الاتهامات في وقت تشهد فيه غزة خلال الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً متواصلاً في وتيرة الغارات الجوية والقصف والاستهدافات، وسط استمرار حالة التوتر الميداني وارتفاع مستوى العمليات العسكرية مقارنة بالفترات السابقة، بما يعكس هشاشة واضحة في اتفاق التهدئة القائم.
ضغط ميداني مرتفع
وخلال الأسبوع الأخير، سُجلت زيادة ملحوظة في القصف الجوي والمدفعي بمعدل يزيد عن خمس عمليات يومياً في مناطق متفرقة شمال القطاع وجنوبه، بالتوازي مع استخدام مكثف للطائرات المسيّرة، إلى جانب سياسة إصدار أوامر إخلاء تسبق استهداف منازل وخيام نازحين، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة وتفاقم حاد في الوضع الإنساني.
وبحسب مركز غزة لحقوق الإنسان، فقد بلغ متوسط أعداد الشهداء خلال الفترة الممتدة من 19 أبريل وحتى 19 مايو نحو 105 شهداء، إلى جانب 434 إصابة، في ظل تسجيل نحو 15 انتهاكاً يومياً شملت عمليات قصف وإطلاق نار متكرر في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
وتشير هذه المعطيات إلى استمرار وتيرة ضغط ميداني مرتفع، يترافق مع تصاعد في نمط الإخلاءات التي تسبق القصف، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستهدافات وتزايد استهداف المناطق السكنية ومواقع الإيواء، بما يفاقم من حالة النزوح والتدهور الإنساني.
ومن جانبه، قال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب منذ بداية مايو وحتى صباح أمس 221 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، أسفرت عن استشهاد 49 فلسطينياً وإصابة 260 آخرين، في ظل استمرار العمليات الميدانية التي تطال مناطق متفرقة من القطاع.
وأوضح الثوابتة أن هذه الخروقات تعكس استمراراً ممنهجاً للانتهاكات بحق المدنيين في قطاع غزة، وتؤشر إلى تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية والميدانية، مع اتساع نطاق التداعيات على السكان والبنية المدنية في مختلف المناطق.
وأضاف أن المؤشرات المتعلقة بحركة إدخال المساعدات وعبور المسافرين تعكس بدورها حجم الفجوة بين التفاهمات المعلنة والتنفيذ الفعلي على الأرض، مشيراً إلى دخول 2719 شاحنة مساعدات فقط من أصل 10,800 شاحنة متفق عليها، بنسبة لا تتجاوز ربع الكمية المتفق عليها، إلى جانب عبور 5304 مسافرين عبر معبر رفح من أصل 15,800 مسافر.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة إن ما يُطرح حالياً يتجاوز فكرة الإدارة المدنية المؤقتة، ليصل إلى محاولة بناء سلطة بديلة في مناطق محددة من قطاع غزة.
وأوضح أن المدير التنفيذي لما يُعرف بـ"مجلس السلام" في غزة، نيكولاي ملادينوف، يدفع باتجاه تشكيل لجنة إدارية تكنوقراطية تتولى إدارة القطاع، على أن يرتبط أي تقدم في ملفات الإعمار أو الانسحاب أو نقل الحكم بملف سلاح المقاومة.
وبحسبه، فإن هذا الطرح يقوم على اعتبار ملف السلاح شرطاً سابقاً لأي مسار سياسي أو إنساني، ما يجعل الإعمار نفسه جزءاً من أدوات الضغط السياسية والأمنية.
ويضيف أن المقترحات تتحدث عن دخول اللجنة إلى المناطق التي قد ينسحب منها الاحتلال شرق غزة، لإدارة الشؤون المدنية هناك، بالتزامن مع نشر قوة شرطة جديدة بدعم عربي، بما قد يشجع السكان على الانتقال إلى تلك المناطق.
نموذج حكم انتقالي
ويرى عفيفة أن هذا التوجه لا يقتصر على ترتيبات إدارية، بل يندرج ضمن محاولة لإعادة إنتاج واقع ميداني جديد يبدأ من شرق غزة قرب "الخط الأصفر"، ويتحول تدريجياً إلى نموذج حكم انتقالي.
ويشير إلى أن أخطر ما في ذلك أنه يحقق ما عجز الاحتلال عن فرضه بالحرب، وهو تقسيم غزة وظيفياً دون إعلان سياسي، عبر إنشاء مناطق ذات إدارة مختلفة ومقيدة أمنياً.
وفي قراءة أوسع، قال عفيفة إن الوضع في غزة لا يمكن اعتباره تهدئة مستقرة، بل هو "مرحلة منخفضة من التصعيد تُدار بآليات استنزاف متواصل"، عبر ضربات محدودة وضغط ميداني وإنساني دون تسوية نهائية.
وأوضح أن ما يجري يعكس انتقالاً من الحرب المفتوحة إلى "إدارة الصراع على نار هادئة"، مع إبقاء القطاع في حالة توتر دائم عبر خروقات وعمليات موضعية، بما يبقي احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.
وأشار إلى أن التغيرات الميدانية، بما فيها إعادة تشكيل مناطق السيطرة وتوسيع القيود، تعكس مساراً لإعادة رسم الواقع الجغرافي والديمغرافي للقطاع بشكل تدريجي يصعب التراجع عنه.
وأضاف أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب تفاهمات نهائية حول الترتيبات الأمنية والإدارية، بما فيها مستقبل سلاح المقاومة وإدارة القطاع وإعادة الإعمار.
وأوضح عفيفة أن المشهد مفتوح على ثلاثة سيناريوهات متداخلة: الأول، استمرار الاستنزاف المنظم عبر تصعيد محدود وعمليات موضعية وقيود مستمرة، بما يحافظ على حالة "اللا حرب واللا سلم".
فيما يتجه السيناريو الثاني إلى إعادة هندسة الواقع الميداني والإداري عبر ترتيبات جديدة في مناطق محددة وتوزيع النفوذ بشكل غير مباشر، مع توظيف الإغاثة والإعمار لإعادة تشكيل الوقائع، ما قد يقود إلى واقع أكثر تجزئة داخل القطاع.
أما الثالث، فربما نتجه إلى انفجار وتصعيد شامل في حال انهيار التهدئة أو وقوع تطورات كبرى، بما يعني العودة إلى مواجهة واسعة النطاق بتداعيات إنسانية وأمنية كبيرة.
تدوير أدوات السيطرة
في السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن ما يُطرح تحت عنوان "مجلس السلام" وإدارة القطاع لا يمكن قراءته باعتباره مجرد ترتيبات إدارية أو مقاربات تقنية مرتبطة بإعادة الإعمار، بل بوصفه مشروعاً سياسياً وأمنياً متكاملاً يستهدف إعادة تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني، وإنتاج نموذج حكم وظيفي يخدم – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – الرؤية "الإسرائيلية" للقطاع.
وأوضح شاهين أن الخطة المطروحة تقوم على إعادة تدوير أدوات السيطرة التقليدية بصيغ حديثة، من خلال تفكيك غزة إلى كانتونات إدارية ومناطق نفوذ معزولة تحت عناوين مختلفة، في محاولة لإفراغ وحدة الشعب الفلسطيني من مضمونها الوطني والتاريخي، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى جماعات سكانية تخضع لإعادة هندسة ديموغرافية وأمنية تدريجية.
وأكد شاهين أن ما يُسمى "مجلس السلام" يفتقر من الناحية القانونية والسياسية إلى أي شرعية تمثيلية، معتبراً أنه كيان يتجاوز المرجعيات الوطنية الفلسطينية، ويتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفق المواثيق الدولية.
وبحسبه، فإن أي محاولة لإخضاع مناطق في شرق غزة لإدارة مشروطة بموافقة الاحتلال تمثل مساساً مباشراً بوحدة الأرض الفلسطينية، وانتهاكاً لمبدأ السلامة الإقليمية، فضلاً عن كونها محاولة لفرض وصاية سياسية وأمنية تُغلف بأدوات إنسانية وتنموية.
ويرى شاهين أن هذه المقاربات لا تنفصل عن مسار أوسع يهدف إلى تكريس وقائع سياسية جديدة داخل القطاع، عبر خلق طبقة إدارية معزولة عن الحاضنة الشعبية، تتولى إدارة الشأن المدني ضمن شروط أمنية مفروضة، بما يؤدي تدريجياً إلى إعادة تشكيل البنية السياسية والاجتماعية الفلسطينية.
ويشدد على أن مواجهة هذه المشاريع تتطلب إعادة بناء حالة وطنية فلسطينية موحدة تستند إلى الثوابت، وترفض أي ترتيبات من شأنها الانتقاص من السيادة أو إعادة إنتاج الانقسام الجغرافي والسياسي داخل غزة.