قائمة الموقع

تصدعات في 'بريكس': كيف أعاقت الخلافات الإقليمية صياغة موقف موحد تجاه أزمة الشرق الأوسط؟

2026-05-21T08:49:00+03:00
وكالة شهاب

أفادت مصادر مطلعة بأن اجتماعات وزراء خارجية دول مجموعة 'بريكس' التي عُقدت مؤخراً في نيودلهي انتهت دون التوصل إلى صيغة توافقية لبيان مشترك. ويعكس هذا الإخفاق حجم التناقضات الداخلية العميقة التي تعصف بالتكتل، خاصة بعد التوسعة الأخيرة التي ضمت دولاً ذات أجندات إقليمية متصادمة في منطقة الشرق الأوسط.

وتشير المعطيات إلى أن نقطة الخلاف الجوهرية تكمن في التوتر المتصاعد بين إيران والإمارات العربية المتحدة. حيث طالب الوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي بإدانة صريحة لما وصفه بعدوان 'تحالف إبستين' على الأراضي الإيرانية، وهو ما قوبل برفض قاطع من الجانب الإماراتي الذي يتبنى رؤية مغايرة للصراع.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير صحفية دولية عن تنفيذ عمليات عسكرية سرية من قبل دول خليجية استهدفت منشآت داخل إيران وفصائل موالية لها في العراق. وذكرت مصادر أن بعض هذه العمليات جرى تنسيقها مع الجانب الإسرائيلي، مما زاد من تعقيد المشهد الدبلوماسي داخل أروقة مجموعة بريكس.

من جانبه، أقر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بصعوبة الموقف، مشيراً إلى أن الخلافات الثنائية بين الأعضاء الجدد حالت دون بلورة موقف موحد. ويبدو أن موسكو وبكين تجدان صعوبة في جسر الفجوة بين حلفائهما في المنطقة، رغم محاولاتهما المستمرة لتقديم بريكس كبديل للمنظومة الغربية.

ولا تقتصر الخلافات على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل التوجهات السياسية الكبرى تجاه الولايات المتحدة. فبينما تتبنى الصين وروسيا خطاباً حاداً ضد السياسات الأمريكية والإسرائيلية، تفضل دول مثل الهند والبرازيل الحفاظ على لغة دبلوماسية هادئة لتجنب الإضرار بمصالحها الاستراتيجية مع واشنطن.

ويرى مراقبون أن التوسع السريع للمجموعة قبل تهيئة الظروف الموضوعية أدى إلى استيراد الأزمات الإقليمية إلى داخل التكتل. فدخول أطراف متنافسة مثل إيران والسعودية والإمارات جعل من الصعب الوصول إلى إجماع حول القضايا الحساسة، مما يهدد فعالية المجموعة في التأثير على القرار الدولي.

وفي هذا الإطار، تبرز الهند كلاعب يسعى لتحقيق توازن دقيق بين عضويتها في بريكس وشراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج. وقد تجلى ذلك في الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى أبوظبي، حيث تم توقيع اتفاقيات استراتيجية في مجالات الدفاع والطاقة والنفط.

وتعتبر نيودلهي أمن الممرات المائية، وخاصة مضيق هرمز، أولوية قصوى لضمان تدفق إمدادات الطاقة إلى أسواقها المتنامية. لذا، فإنها ترفض الانخراط في أي مواقف قد تؤدي إلى تصعيد عسكري يعطل حركة الملاحة الدولية أو يضر بعلاقاتها مع شركائها التجاريين في الخليج.

كما أثارت تسريبات حول لقاءات سرية بين مسؤولين إسرائيليين وإماراتيين تساؤلات حول مدى تماسك سردية 'التضامن' التي تحاول بريكس الترويج لها. هذه التحركات تضعف من مصداقية التكتل ككتلة صلبة قادرة على مواجهة الهيمنة الغربية وتقديم نموذج بديل للعلاقات الدولية.

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا تزال هناك آمال معقودة على الدبلوماسية الصينية والروسية لإيجاد مخرج للأزمة. فالتجربة السابقة لبكين في الوساطة بين الرياض وطهران تعطي مؤشراً على إمكانية لعب دور مماثل لاحتواء الخلافات الراهنة داخل بريكس وضمان استمرارية عملها.

ومن المتوقع أن تشكل القمة المرتقبة بين الرئيسين الروسي والصيني في بكين محطة هامة لرسم ملامح المرحلة المقبلة. حيث سيسعى الطرفان إلى صياغة إعلان مشترك يؤكد على مبادئ العالم متعدد الأقطاب، بعيداً عن التجاذبات الثنائية التي تعيق تقدم المجموعة.

إن الفشل في إصدار بيان موحد يضع بريكس أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على التحول من مجرد منتدى اقتصادي إلى قوة سياسية فاعلة. فبدون آليات واضحة لفض النزاعات بين أعضائها، ستظل المجموعة عرضة للاهتزاز مع كل أزمة إقليمية جديدة تلوح في الأفق.

وفي الختام، يظل التحدي الأكبر أمام بريكس هو صياغة أساس فكري متماسك يتجاوز المصالح القومية الضيقة للدول الأعضاء. فالمنافسة الإقليمية بين القوى المتوسطة داخل التكتل قد تصبح العائق الأكبر أمام تحقيق أهداف الجنوب العالمي في تغيير موازين القوى الدولية.

ومع اقتراب موعد انضمام دول جديدة مثل باكستان في عام 2026، تزداد المخاوف من تعمق هذه الانقسامات. لذا، فإن المرحلة القادمة تتطلب جهوداً مضاعفة لتهيئة بيئة تعاونية تضمن عدم تحول بريكس إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بدلاً من كونها منصة للبناء المشترك.

دلالات

اخبار ذات صلة