قائمة الموقع

حين تسقط كل الأقنعة

2026-05-23T11:14:00+03:00
وكالة شهاب

لم تكن المشاهد التي وثّقت اعتداء قوات الاحتلال الإسرائيلي وإهانتها للمتضامنين الأجانب الذين جاؤوا لكسر الحصار عن غزة حادثة عابرة أو تصرفًا فرديًا يمكن عزله عن طبيعة هذا الكيان، بل كانت انعكاسًا صريحًا للوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي الذي حاول لعقود طويلة أن يقدّم نفسه للعالم أنه “واحة ديمقراطية” وسط المنطقة.

ما جرى مع المتضامنين الأجانب كشف جزءًا يسيرًا فقط من العقلية التي تحكم المؤسسة الإسرائيلية؛ عقلية تقوم على العنصرية والتجبر والإذلال والقهر، ولا تفرّق بين فلسطيني أو أجنبي عندما يتعلق الأمر بفرض الهيمنة بالقوة وإرهاب كل من يقف في وجه جرائمها. 

فالرسالة التي أراد الاحتلال إيصالها لم تكن موجهة فقط إلى من كانوا على متن السفينة أو المشاركين في فعاليات كسر الحصار، بل إلى الشعوب والدول التي جاؤوا منها: أن إسرائيل قادرة على البطش، وأنها لا تخضع لقانون أو قيم أو أعراف دولية.

هذه المشاهد أعادت التذكير بما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون يوميًا داخل سجون الاحتلال، حيث الإهانة والتعذيب والعزل والتجويع والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، تحت إشراف مباشر من شخصيات متطرفة في حكومة الاحتلال، يتقدمهم إيتمار بن غفير الذي جعل من إذلال الأسرى الفلسطينيين سياسة معلنة يتفاخر بها أمام جمهوره اليميني المتطرف. 

وما شاهده العالم مع المتضامنين الأجانب ليس إلا نسخة مخففة عما يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين منذ سنوات طويلة بعيدًا عن عدسات الإعلام.

الحقيقة التي يجب أن يدركها العالم أن ما يجري في غزة لم يكن استثناءً طارئًا، بل هو امتداد طبيعي لعقيدة إسرائيلية قائمة على نفي الآخر وسحقه. 

فحرب الإبادة التي شهدها قطاع غزة خلال الأشهر الماضية، وما رافقها من قتل وتجويع وتدمير واستهداف للمدنيين والمستشفيات ومراكز الإيواء، كشفت بوضوح أن الاحتلال لا يمتلك أي رادع أخلاقي أو إنساني. 

والأخطر أن كثيرًا من الجنود الإسرائيليين تفاخروا علنًا بجرائمهم، ووثقوا عمليات القتل والتنكيل بالفلسطينيين بأنفسهم، في مشهد يعكس حجم الانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه المؤسسة العسكرية والمجتمع الذي يحتضنها.

إن بن غفير وسموتريتش وغيرهما من رموز التطرف ليسوا حالة شاذة داخل إسرائيل، بل هم نتاج طبيعي لعقود من التحريض والعنصرية والكراهية التي ترسخت داخل المجتمع الإسرائيلي. هذا المجتمع الذي نبذته أوروبا في مراحل تاريخية بسبب ممارسات مشابهة، يعيد اليوم إنتاج العقلية ذاتها ضد الشعب الفلسطيني، لكن تحت غطاء سياسي ودعم غربي مستمر.

كما أن ما حدث يمثل رسالة مباشرة إلى الوسطاء والمؤسسات الدولية والإنسانية التي التزمت الصمت طويلًا أمام جرائم الاحتلال، أو حاول بعضها تبريرها أو التخفيف من وقعها. 

فحين يعتدي الاحتلال على متضامنين أجانب أمام الكاميرات، فكيف يكون الحال مع الفلسطينيين داخل غزة والضفة والسجون بعيدًا عن أعين العالم؟

لقد بات واضحًا أن المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حقيقي. 

فمذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة الاحتلال يجب ألا تبقى حبرًا على ورق، بل ينبغي أن تتحول إلى خطوات عملية لمحاسبة مجرمي الحرب ووقف سياسة الإفلات من العقاب التي شجعت إسرائيل على التمادي في جرائمها.

العالم اليوم بحاجة إلى أن يصحو، ليس فقط دفاعًا عن الفلسطينيين، بل دفاعًا عن القيم الإنسانية ذاتها. 

فكيان يقوم على الاحتلال والعنصرية والإبادة لا يمكن أن يكون شريكًا في الاستقرار أو السلام، وأي محاولة لتجميل صورته أو تجاهل جرائمه لن تغيّر حقيقته، بل ستمنحه مزيدًا من الوقت لمواصلة جرائمه بحق الإنسانية جمعاء.

اخبار ذات صلة