أثار التقرير الختامي الذي أعدّته اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأمريكي بشأن أسباب خسارة انتخابات الرئاسة لعام 2024 موجة واسعة من الجدل داخل أوساط الحزب، بعد أن خلص إلى نتائج اعتبرها مراقبون “انتقائية” وتجنّبت الإشارة إلى أبرز الملفات السياسية المثيرة للانقسام خلال العام الماضي.
وبحسب ما أوردته مصادر مطلعة، فقد جاءت الوثيقة المكونة من 192 صفحة خالية تماماً من أي ذكر للحرب في قطاع غزة أو تداعياتها السياسية والانتخابية، كما لم تتضمن كلمات مفتاحية مثل "إسرائيل"، أو "فلسطين"، أو حتى الإشارة إلى العرب الأمريكيين، رغم كونها من القضايا التي هيمنت على النقاش العام داخل الولايات المتحدة خلال فترة الانتخابات.
وأفادت المصادر أن التقرير، الذي أشرف عليه الإستراتيجي بول ريفيرا، تجاهل بشكل لافت نتائج داخلية كانت قد رصدت تأثير موقف الإدارة الأمريكية السابقة من العدوان على غزة، في تراجع الدعم الشعبي للحزب بين فئات الشباب والناخبين المسلمين والعرب الأمريكيين.
وفي تسريبات مرتبطة بمرحلة الإعداد، أكدت مصادر شاركت في الصياغة أن النسخ الأولية من التقرير تضمنت نقاشات موسعة حول تأثير ملف غزة على حظوظ كامالا هاريس، مرشحة الحزب في السباق الرئاسي، غير أن هذه الإشارات اختفت كلياً من النسخة النهائية المعروضة على القيادة.
وأثار ذلك موجة انتقادات داخلية، حيث أعرب ديفيد هوغ، المسؤول السابق في اللجنة الوطنية، عن رفضه لما وصفه بتغييب متعمد للحقائق الانتخابية، مؤكداً أن تجاهل هذا العامل “يضعف قدرة الحزب على فهم خسارته واستعادة ثقة قاعدته الشعبية”.
وفي السياق ذاته، أبدت شخصيات ديمقراطية مؤيدة لسياسات داعمة لـ"إسرائيل" استغرابها من غياب أي إشارة للملف اليهودي أو "إسرائيل" داخل التقرير، معتبرة أن ذلك يمثل خللاً في التقييم السياسي الشامل للانتخابات.
من جانبها، قالت منظمات عربية أمريكية إنها قدّمت بيانات واضحة للجنة تُظهر تأثير الدعم الأمريكي غير المشروط لـ"إسرائيل" في تآكل شعبية الحزب، إلا أن هذه المعطيات – وفقاً لها – لم تُدرج في النسخة النهائية للتقرير.
وفي رد رسمي، قال رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن إن التقرير نُشر كما ورد من معدّه دون تدخل مباشر، مضيفاً أنه “لا يتبنى بالضرورة جميع ما ورد فيه أو ما تم استبعاده”، واصفاً الوثيقة بأنها بحاجة إلى مزيد من المراجعة.
وتشير بيانات تحليلية أُدرجت في المسودات الأولية إلى أن ملف غزة كان عاملاً مؤثراً في سلوك التصويت، إلا أن هذه الخلاصات لم تظهر في النسخة النهائية، ما أثار تساؤلات حول آلية اتخاذ القرار داخل الحزب.
وفي المقابل، اعتبر ناشطون تقدميون أن تجاهل هذا الملف يعكس أزمة أعمق في بنية الحزب، مشيرين إلى أن حركة “غير ملتزم” الاحتجاجية لعبت دوراً في كشف حجم الغضب داخل القواعد الشعبية تجاه سياسات واشنطن في غزة.
وعلى صعيد أوسع، ربطت تقارير دولية بين هذا الجدل الداخلي وتراجع صورة الولايات المتحدة في عدد من الدول العربية، حيث أظهرت استطلاعات حديثة تنامي الانتقادات لسياسات واشنطن، خصوصاً في ما يتعلق بانحيازها لـ"إسرائيل".
وحذر محللون من أن استمرار تجاهل هذه التحولات قد يفاقم من خسائر الحزب الديمقراطي انتخابياً، ويضعف قدرته على بناء تحالفات سياسية داخلية وخارجية في المستقبل.
وفيما يواصل الحزب مراجعة تداعيات خسارته، يبقى ملف غزة – رغم غيابه عن التقرير الرسمي – أحد أبرز العوامل التي يراها مراقبون حاضرة بقوة في تفسير التحولات السياسية داخل المشهد الأمريكي.