تقرير - شهاب
لم يعد العيد في قطاع غزة مناسبةً للفرح وصلة الأرحام كما عهده الفلسطينيون طوال عقود، بل بات موعداً مؤلماً يكشف عمق الجرح الذي خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر 2023. فمع حلول عيد الأضحى المبارك، يجد مئات الآلاف من سكان القطاع أنفسهم عاجزين عن زيارة ذويهم، لا لشيء إلا لأن الطريق إليهم بات رحلة من العذاب، مكلفة ومضنية وأحياناً مستحيلة. أزمة المواصلات التي تضرب القطاع لم تسرق منهم وسائل التنقل وحسب، بل سرقت منهم بهجة العيد ذاتها.
تشير أرقام وزارة النقل والمواصلات في غزة إلى أن نحو 70% من المركبات دُمِّرت جراء القصف الإسرائيلي، فيما طالت الأضرار قرابة 80% من الطرق العامة والبنية التحتية في القطاع. وكانت شوارع غزة قبيل الحرب تستوعب نحو 80 ألف سيارة يومياً، من أصل 88 ألف مركبة مرخصة تمثّل 19% من إجمالي المركبات في فلسطين. أما اليوم، فتشير التقديرات المحلية إلى أن ما بين 25 و32 ألف مركبة دُمِّرت أو تضررت بشكل كلي، في ظل نقص حاد في قطع الغيار تسمح قوات الاحتلال بإدخال أقل من 5% من احتياجات السوق منها. وقد حوّل هذا الدمار الشامل الشوارع المعبّدة إلى مسالك ترابية مليئة بالحفر والركام، فيما تحولت وسائل النقل من سيارات منظمة إلى عربات يجرها الحمير ودراجات نارية ثلاثية العجلات وشاحنات صُمِّمت في الأصل لنقل البضائع لا البشر.
وفي خضم هذا الواقع المأساوي، فرض الاحتلال الإسرائيلي قيوداً مشددة على إدخال أبسط مقومات تشغيل المركبات وصيانتها، من زيوت وإطارات وقطع غيار، ما حوّل الأزمة من مشكلة نقل إلى كارثة إنسانية شاملة. فسعر لتر السولار الواحد قفز إلى ما بين 30 و100 شيكل بحسب المنطقة، وقطعة الغيار التي كانت بمئة شيكل باتت تُباع بألفين، فيما وصل سعر الإطار المستعمل المتهالك إلى 4500 شيكل، ويضطر السائقون إلى استخدام زيوت محروقة معاد تدويرها يبلغ سعر الكيلو الواحد منها نحو 4500 شيكل أيضاً. وتُضاف إلى ذلك "تنسيقات" إدخال البضائع التي قد تبلغ 3 ملايين شيكل للشاحنة الواحدة، في ظل استغلال واحتكار يرفعان الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
طرق بلا عودة
في أيام العيد التي اعتاد فيها الفلسطينيون التنقل بين الأحياء والمحافظات لزيارة الأهل والأقارب، يقف كثير من سكان القطاع عاجزين أمام أجرة لا يستطيعون تحملها. فالتنقل داخل مدينة غزة وحدها قد يكلف ما بين 50 و65 شيكلاً لمسافات قصيرة، في حين ارتفعت أجرة المواصلات العامة من شيكلين قبل الحرب إلى خمسة شواكل كحد أدنى. أما الانتقال بين المحافظات فيتراوح بين 15 و35 شيكلاً للشخص الواحد، وهي أرقام باهظة في ظل انعدام مصادر الدخل وتفشي الفقر. وهكذا يجد كثير من النازحين أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما الأكل وإما الزيارة، في عيد يُفترض أن يكون موسماً للفرح والعطاء.
وتتضاعف المعاناة حين يتعلق الأمر بالزيارات بين الشمال والجنوب، إذ فرّق النزوح الجماعي آلاف العائلات الغزية بين محافظات متباعدة. فبعضهم نزح إلى الجنوب هرباً من القصف في الشمال، وبعضهم عاد أو تفرّق في مخيمات النزوح المختلفة، ليصبح لقاء الأسرة الواحدة في يوم العيد رهيناً بتوفر وسيلة نقل وثمن الأجرة ومتانة الطريق وسلامته. وفي ظل دمار 80% من الطرق، تتحول الرحلة التي كانت لا تستغرق عشر دقائق إلى مسيرة تمتد ساعات عبر ركام وحفر وطرق ترابية، مع احتمال أن لا تصل وسيلة النقل أصلاً.
ولعل الأكثر إيلاماً في هذا المشهد هو اضطرار سكان كثيرين إلى الاعتذار عن حضور مناسبات العيد الأساسية، من زيارات الأقارب المسنّين إلى أفراح الأسرة وتجمعاتها، بسبب عجزهم المادي أو انعدام وسائل النقل. فالعيد الذي طالما كان مناسبة لاحتضان الجيران وزيارة الأرحام بات يمر هذا العام في كثير من البيوت والخيام بصمت ثقيل، تحت وطأة الشتات الجغرافي الذي فرضته الحرب داخل القطاع ذاته.
عيد بلا لقاء
وعلى المستوى الاجتماعي، تُلقي أزمة المواصلات بظلالها الثقيلة على النسيج الأسري في غزة، في لحظة يحتاج فيها هذا النسيج إلى كل ما يعزّزه ويصونه. فصلة الرحم التي تمثّل ركيزة اجتماعية وأخلاقية راسخة في المجتمع الفلسطيني باتت مهددة بفعل عوائق مادية وجغرافية لم يختر أحد أن يعيشها. والأجداد الذين ينتظرون رؤية أحفادهم في العيد، والأمهات المنتظرات لأبنائهن النازحين في محافظة أخرى، والأقارب الذين قد لا يتمكنون من التجمع معاً ربما للعيد الثالث على التوالي، كلهم يدفعون ثمناً اجتماعياً فادحاً لحرب لم يشعلوها.
وتمتد التداعيات لتطال الوقت الذي بات أكثر الموارد هدراً في غزة المحاصرة. فالرحلة إلى المستشفى أو نقطة الإسعاف التي كانت تستغرق دقائق باتت تستهلك ساعتين أو أكثر عبر طرق مكسّرة ومركبات متهالكة، وكذلك الأمر بالنسبة لطالبات الجامعة اللواتي لا يستطعن الحضور إلا يوماً واحداً في الأسبوع، والعمال الذين قد يستغرق وصولهم إلى مكان عملهم يوماً كاملاً. وفي العيد تحديداً، يعني هذا أن الزيارة الواحدة قد تستنزف اليوم بأكمله، لتصبح الخيارات أمام الأسرة الواحدة مؤلمة: من نزور ومن نؤجل؟
ولا تقتصر الأزمة على الأثر المادي والزمني، بل تمتد إلى الأمان الجسدي للمتنقلين. فوسائل النقل البديلة التي فرضتها الحرب، من عربات يجرها الحمير، وتوكتوك، وشاحنات بضائع محوّلة لنقل الركاب، لم تُصمَّم لعبور شوارع مليئة بالحفر العميقة والركام المتراكم. وقد شهدت أيام العيد في السنوات الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في حوادث المرور بسبب هذه الوسائل غير الآمنة، فيما يصف كثير من الركاب شعورهم خلال الرحلة بأنهم يخاطرون بحياتهم في كل منعطف. ومع غياب أي فحص فني منتظم للمركبات وانهيار البنية التحتية، يتحول التنقل في العيد إلى مجازفة يومية لا خيار فيها.
أرحام مقطوعة
وفي مشهد يختصر المفارقة الصارخة لعيد الأضحى في غزة عام 2025، تقف نساء ورجال ومسنّون في انتظار عربات تجرها سيارات مهترئة، وسط شوارع لا تشبه شوارع أي مدينة في العالم. فالركام يحيط بكل جانب، والعربات تئن تحت ثقل أعداد أكبر مما صُنِعت له، والأجرة ترهق جيوباً فارغة أصلاً. ومع ذلك، يصعد الناس ويتشبثون بالحواف ويمضون، لأن بعيداً هناك أماً تنتظر أو أخاً لم يُرَ منذ أشهر أو طفلاً سيسعد بالعيد أكثر حين يرى وجهاً حبيباً. هذا الإصرار على الوصول رغم كل شيء هو ربما آخر ما تبقى من معنى العيد في قطاع يصارع البقاء.
لقد كشفت أزمة المواصلات في غزة خلال العيد عن وجهها الأكثر قسوة حين تتشابك مع واقع النزوح وتفرق العائلات. فالمسافة بين الشمال والجنوب لم تعد مجرد كيلومترات، بل باتت عائقاً مالياً وجسدياً وزمنياً يعجز كثيرون عن تخطيه. وفي ظل استمرار منع إدخال قطع الغيار والوقود الكافي، تتواصل معاناة السائقين والركاب على حدٍّ سواء، في حلقة مفرغة لا يمتلك أهل غزة وحدهم مفتاح الخروج منها.
وتبقى أزمة المواصلات في نهاية المطاف صورة مصغّرة لحجم الدمار الذي ألحقته الحرب بكل مفاصل الحياة في القطاع. فحين يصبح الوصول إلى ذوي الإنسان في يوم العيد ترفاً لا يقدر عليه الجميع، ويتحول حمل الهدايا والتهاني إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، فإن ذلك لا يُقرأ إلا بوصفه دليلاً إضافياً على عمق الجريمة الإنسانية التي يرزح تحتها أكثر من مليوني فلسطيني منذ ما يزيد على عامين ونصف. عيد يفرّق ولا يجمع، وطريق مكسور يعكس روح مدينة كُسِرت ولا تزال تقاوم.