خاص / شهاب
ودّع مخيم المغازي للاجئين،اليوم،خمسةً من أبنائه أثناء تصديهم لمحاولات مجموعات مسلحة خارجة عن القانون التعدي على السكان واقتحام المنازل وتفتيشها، في وقت كانت فيه العائلات المنهكة من الحرب تستعد لوقفة عيد الأضحى بما تبقى لديها من قدرة على الاحتمال.
وأعاد صوت الانفجار إلى المخيم صور الشهور الدامية التي لم تغادر ذاكرة سكانه، بعدما أدى القصف إلى استشهاد أربعة مواطنين وإصابة آخرين، في واحدة من أكثر خروقات التهدئة دموية خلال الفترة الأخيرة.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن الحادثة بدأت مع محاولة عناصر العصابات المسلحة العميلة اقتحام منازل لمواطنين في المنطقة الشرقية من مخيم المغازي، قبل أن يتصدى لهم الأهالي، لتتدخل طائرات الاحتلال المسيّرة بشكل مباشر وتقصف المكان، ما أدى إلى سقوط شهداء هم الشهيد يوسف نبيل المغاري و الشهيد فادي المغاري والشهيد حسن السيد و و الشهيد عبد الكريم البشيتي والشهيد صالح البشيتي الذي أعدمته عصابات عملاء الاحتلال ميدانياً شرقي مخيم المغازي.
هدف مباشر للقصف
وقال سكان في المخيم إن أصوات الرصاص والطائرات المسيّرة سبقت القصف بدقائق، قبل أن تستهدف الطائرات تجمعاً للمواطنين الذين حاولوا منع عملية الاقتحام، مؤكدين أن المشهد أعاد إلى الأذهان نمط العمليات التي شهدتها مناطق مختلفة من القطاع خلال الأشهر الماضية، حيث يتحول أي تحرك مدني أو حالة تجمع إلى هدف مباشر للقصف.
ومع لحظات القصف الأولى، هرعت سيارات الإسعاف إلى المكان وسط صعوبات كبيرة في الحركة نتيجة الدمار الواسع الذي خلفته الحرب في شوارع المخيم، بينما اندفع الأهالي بأيديهم العارية لمحاولة انتشال الضحايا، في مشهد بات مألوفاً في قطاع يعيش منذ أشهر على إيقاع الموت اليومي.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه قطاع غزة حالة ترقب وقلق متصاعدين مع عشية عيد الأضحى، في ظل استمرار الحصار والانهيار الإنساني، وتراجع الآمال بإمكانية استقرار التهدئة أو تحسن الظروف المعيشية للسكان الذين يعيش معظمهم بين النزوح والفقر وفقدان المأوى.
من جانبه، قال الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، إن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب مجزرة جديدة في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، في استمرار لما وصفه بحرب الإبادة المتواصلة ضد الفلسطينيين في القطاع.
وشدد قاسم ، على أن استمرار خروقات الاحتلال لوقف إطلاق النار، لافتًا إلى أن مجلس السلام يتحمل جزءًا من المسؤولية عن تلك الخروقات، بسبب عجزه وصمته وتبنيه الموقف الإسرائيلي.
وأشار إلى أن تصعيد عمليات الإبادة في قطاع غزة يعكس، بحسب قوله، حجم الاستهانة الإسرائيلية بكل جهود الوسطاء والدول الضامنة.
وأوضح قاسم أن تزامن ارتكاب هذه المجزرة مع وقفة عرفة يكشف، على حد تعبيره، مزيدًا من الوجه العنصري للاحتلال، ويؤكد تجاهله لكل مشاعر المسلمين ومؤسساتهم الدينية.
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في تحقيق عن استمرار "إسرائيل" في تقديم دعم غير معلن لمليشيات محلية مناهضة لحركة حماس داخل قطاع غزة، ضمن سياسة تهدف إلى إضعاف نفوذ الحركة عبر أدوات غير مباشرة إلى جانب العمليات العسكرية.
وبحسب التحقيق، يشمل الدعم تزويد تلك المجموعات بأسلحة ومعلومات استخبارية ومساندة بطائرات مسيّرة، إضافة إلى مساعدات لوجستية وغذائية وطبية، فيما أشار التقرير إلى نقل بعض المصابين من عناصر هذه المليشيات إلى داخل "إسرائيل" لتلقي العلاج. وسلطت الصحيفة الضوء على مجموعات مسلحة تنشط في مناطق خاضعة للسيطرة "الإسرائيلية".
تعقّيد المشهد الأمني
من جانبه، يقول الكاتب والمختص بالشأن الفلسطيني محمد مصطفى شاهين إن القصف الذي استهدف مخيم المغازي وسط قطاع غزة صباح اليوم يأتي في سياق "استمرار انتهاكات جسيمة رغم الحديث عن تهدئة أو هدنة قائمة"، موضحاً أن استهداف المدنيين يشكل "انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني"، ويتضمن جرائم متعددة بينها "القتل العمد للمدنيين، والعقاب الجماعي، وغياب التمييز بين المدنيين وأي أهداف عسكرية".
وأضاف أن ما يجري يعكس حالة من "الانفلات الكامل من الالتزام بالقانون الدولي"، لافتاً إلى أن استمرار القصف في مناطق مأهولة يعيد إنتاج مشهد الحرب في غزة رغم الحديث عن تهدئة، ويعمّق من معاناة السكان المدنيين.
وأشار شاهين إلى أن توقيت القصف، الذي تزامن مع اقتراب عيد الأضحى، يحمل أبعاداً نفسية قاسية على السكان، موضحاً أن "استهداف المدنيين في هذه الفترات يزيد من حجم الألم والمعاناة ويعمّق الإحساس بفقدان الأمان".
وفي المقابل، أوضح شاهين أن ما يجري على الأرض يرتبط أيضاً بوجود "مليشيات مسلحة خارجة عن القانون" تعمل في سياق يخدم مخططات الاحتلال، مشيراً إلى أنها "مليشيات عميلة تُستخدم لإرباك المشهد الداخلي في غزة".
وقال إن مهام هذه المجموعات، وفق تقديره، تتمثل في "تقويض قدرة الحكومة على إدارة شؤون السكان، ونشر الفوضى، وترهيب المدنيين بهدف دفعهم إلى الانصياع لها"، لافتاً إلى أن هذا الدور "يُفاقم حالة عدم الاستقرار ويزيد من معاناة المواطنين اليومية".
مضيفاً إلى أن استمرار هذا النمط من التحركات، إلى جانب الغطاء الذي توفره القوة القائمة بالاحتلال، "يُعقّد المشهد الأمني والإنساني داخل القطاع"، ويجعل المدنيين في مواجهة مباشرة مع المليشيات المسلحة والاحتلال فى آن واحد.